قلم حر | نسيبة خالد | لمّتنا في البيوت السودانية… النفاج وقصصه

صوت الشارع
مقالات وكتاب
قلم حر | نسيبة خالد | لمّتنا في البيوت السودانية… النفاج وقصصه
ليس كل بابٍ يُفتح للدخول والخروج، فبعض الأبواب كانت تُفتح لتُبقي المحبة حيّة. ومن بين أجمل ما عرفته البيوت السودانية كان النفاج؛ ذلك الباب الصغير الذي لم يكن يفصل بين منزلين، بل كان يصل بين قلبين، وبين أسرتين، وبين حكايات لا تنتهي.
كان النفاج قطعةً من روح السودان. لا يحتاج إلى موعد، ولا إلى طرقٍ على الباب، ولا إلى استئذان طويل. يكفي أن تُنادى إحدى الجارات باسم الأخرى، حتى تعبر الضحكات قبل الأقدام، وتصل رائحة القهوة قبل أصحابها، وتمتد الأيدي بما تيسّر من خير، وكأن البيوت بيتٌ واحد، والأسرة أسرةٌ واحدة.
في صباحات السودان، كان صوت الرحى، ورائحة الخبز، ودخان الحطب، تتسلل عبر النفاج كما تتسلل الدعوات الطيبات. وفي المساءات، كانت فناجين القهوة تدور بين البيوت، وتجلس النسوة يتبادلن الحكايات، بينما يركض الأطفال من بيت إلى بيت دون أن يسألهم أحد: إلى أين أنتم ذاهبون؟ لأن الجميع كانوا يعرفون أن كل البيوت وطن صغير، وكل الأمهات أمهات للجميع.
وعندما كانت الأفراح تزور الحي، كان النفاج أول المحتفلين. تعبر منه أواني الطعام، وأثواب العرس، وزغاريد النساء، وتضحكات الصغيرات. وإذا نزل الحزن، أصبح النفاج طريقًا للمواساة، تعبر منه الكلمات الطيبة، والأكتاف التي تحمل الهم مع أصحاب الدار، حتى يبدو الحزن أقل قسوة.
ولم يكن النفاج مجرد فتحة في جدار، بل كان مدرسةً في الأخلاق، وجامعةً في حسن الجوار، ودستورًا غير مكتوب علّم السودانيين أن الإنسان لا يكتمل إلا بالناس، وأن الجار ليس عنوانًا، بل امتداد للعائلة.
ثم جاءت الأيام التي ارتفعت فيها الأسوار، وضاقت فيها المسافات رغم كثرة وسائل التواصل. أصبحت الرسائل تصل في ثوانٍ، لكن الزيارات تأخرت، وأصبحت البيوت أكثر اتساعًا، بينما ضاقت مساحات اللقاء. غاب النفاج من الخرائط، لكنه لم يغب من الذاكرة.
كلما اشتد الحنين، عاد إلينا صوته خافتًا، كأنه يقول: ليس أجمل من بيتٍ يعرف أهله قيمة الجار، ولا أغنى من مجتمعٍ يتقاسم الخبز والدعاء والفرح والحزن.
ربما لن تعود البيوت كما كانت، ولن تُبنى النفاجات في الأحياء الحديثة، لكن يمكن أن تعود قيمها. يمكن أن يعود السؤال عن الجار، والطرق على الباب للاطمئنان، وإرسال طبق الطعام بلا مناسبة، والابتسام في وجه من يسكن بجوارنا.
فالنفاج لم يكن بابًا من خشب… بل كان نافذةً مفتوحة على إنسانية السودانيين، وعنوانًا لوطنٍ كانت المحبة فيه تسكن البيوت قبل أن تسكن القلوب.
رحم الله تلك الأيام التي كان فيها الجدار يقف شاهدًا على المحبة، لا حاجزًا بينها، وحفظ للسودان روحه الجميلة، التي ما زالت تؤمن بأن البيوت تُشيَّد بالطين، أما الأوطان فتُشيَّد بالمودة.



