قلم حر | نسيبة خالد | التحديات التي يواجهها السودان بعد الحرب | المرحلة الثالثة: إنعاش الاقتصاد الوطني وخلق فرص العمل

صوت الشارع
مقالات وكتاب
قلم حر | نسيبة خالد | التحديات التي يواجهها السودان بعد الحرب | المرحلة الثالثة: إنعاش الاقتصاد الوطني وخلق فرص العمل
لن يكون السلام في السودان مستدامًا إذا ظل الاقتصاد منهكًا، ولن تنجح إعادة الإعمار إذا بقيت البطالة والفقر يطاردان ملايين المواطنين. فالحروب لا تدمر المباني وحدها، بل تُضعف الإنتاج، وتستنزف الموارد، وتُفكك الأسواق، وتُفقد الدولة قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية. لذلك فإن معركة الاقتصاد بعد الحرب لا تقل أهمية عن معركة استعادة الأمن.
لقد دخل السودان مرحلة تتطلب الانتقال من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد البناء؛ اقتصاد يقوم على الإنتاج والاستثمار، لا على الإغاثة والمساعدات. فالدول لا تنهض بالمنح المؤقتة، وإنما تنهض عندما تستعيد قدرتها على تشغيل مواردها وتحويلها إلى قيمة مضافة وفرص عمل.
ويمتلك السودان من المقومات ما يؤهله لقيادة نهضة اقتصادية حقيقية. فهو يملك أراضي زراعية شاسعة، وثروة حيوانية ضخمة، وموارد معدنية متنوعة، وموقعًا جغرافيًا يربط بين إفريقيا والعالم العربي، إضافة إلى طاقات بشرية قادرة على الإنتاج إذا توفرت البيئة المناسبة.
لكن هذه المقومات وحدها لا تكفي. فالمرحلة المقبلة تتطلب إصلاحًا اقتصاديًا مؤسسيًا، يقوم على استقرار السياسات، وحماية الاستثمار، وتبسيط الإجراءات، ومحاربة الفساد، وتعزيز الشفافية، حتى تصبح الدولة بيئة جاذبة لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
كما أن خلق فرص العمل يجب أن يكون هدفًا وطنيًا عاجلًا، خاصة لفئة الشباب التي دفعت الثمن الأكبر خلال سنوات الحرب. ويمكن تحقيق ذلك عبر برامج واسعة لإعادة الإعمار، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتمويل القطاع الزراعي، وتشجيع الصناعات التحويلية التي تضيف قيمة للموارد المحلية بدلًا من تصديرها خامًا.
ويُعد القطاع الزراعي نقطة الانطلاق الأكثر واقعية، إذ يستطيع خلال فترة وجيزة توفير الغذاء، وزيادة الصادرات، واستيعاب أعداد كبيرة من العمالة. كما أن إعادة تشغيل المصانع المتوقفة، وتأهيل المناطق الصناعية، وتحسين البنية التحتية للنقل والطاقة، سيعيد الحركة إلى الأسواق ويعزز ثقة المستثمرين.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تتجه الدولة إلى الاستثمار في الاقتصاد الرقمي، والتعليم الفني، والتدريب المهني، حتى تواكب التحولات الاقتصادية العالمية، وتوفر للشباب مهارات تؤهلهم لسوق العمل الحديث.
إن إعادة بناء الاقتصاد ليست مجرد أرقام في الموازنات، بل هي بناء للأمل. فعندما يجد المواطن وظيفة، ويستطيع المزارع الوصول إلى أرضه، ويعود المصنع للإنتاج، وتنتعش الأسواق، يشعر الناس بأن السلام أصبح واقعًا ملموسًا لا مجرد اتفاق سياسي.
إن السودان يقف أمام فرصة تاريخية لتحويل مرحلة ما بعد الحرب إلى مرحلة انطلاق اقتصادي شامل. وإذا أُحسن استثمار الموارد، ووُضعت مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة، فإن الاقتصاد سيكون القاطرة التي تجر خلفها التنمية والاستقرار، وتؤسس لدولة قوية، قادرة على حماية سيادتها وتحقيق الرفاه لمواطنيها.
فالسلام الحقيقي لا يكتمل بتوقف إطلاق النار فقط، وإنما يبدأ عندما يدور دولاب الإنتاج، وتُخلق فرص العمل، ويستعيد المواطن ثقته بأن الغد سيكون أفضل من الأمس.

