قلم حر | نسيبة خالد | التحديات التي يواجهها السودان بعد الحرب | المرحلة الثانية: عودة النازحين وإعادة الخدمات الأساسية

صوت الشارع
مقالات وكتاب
قلم حر | نسيبة خالد | التحديات التي يواجهها السودان بعد الحرب | المرحلة الثانية: عودة النازحين وإعادة الخدمات الأساسية
إذا كانت إعادة إعمار البنية التحتية تمثل الخطوة الأولى في رحلة التعافي الوطني، فإن عودة النازحين إلى ديارهم تمثل الاختبار الحقيقي لنجاح مرحلة ما بعد الحرب. فلا يمكن الحديث عن استقرار دائم بينما لا يزال ملايين السودانيين يعيشون في مخيمات النزوح أو خارج حدود الوطن، ينتظرون لحظة العودة إلى منازلهم وأراضيهم ومصادر رزقهم.
إن النزوح لا يعني فقط فقدان المسكن، بل يعني انقطاع التعليم، وتراجع الرعاية الصحية، وتفكك النسيج الاجتماعي، وانهيار النشاط الاقتصادي المحلي. ولذلك فإن إعادة المواطنين إلى مناطقهم ليست عملية نقل سكاني، بل مشروع وطني متكامل لإعادة بناء الإنسان والمجتمع.
ولكي تنجح هذه العودة، لا بد أن تسبقها بيئة آمنة ومستقرة، تُؤمَّن فيها المدن والقرى، وتُزال مخلفات الحرب، وتُفتح الطرق، وتُعاد هيبة القانون، حتى يشعر المواطن بأن عودته ليست مغامرة، بل بداية حياة جديدة.
ويأتي في مقدمة الأولويات إعادة تشغيل الخدمات الأساسية. فالمياه النقية والكهرباء والمراكز الصحية والمدارس وشبكات الاتصالات ليست خدمات رفاهية، وإنما شروط أساسية لاستقرار السكان. فالأسرة التي تعود إلى منطقة بلا ماء أو علاج أو تعليم لن تلبث أن تغادرها مرة أخرى، لتتكرر دوامة النزوح.
كما يتطلب الأمر إطلاق برامج عاجلة لدعم سبل كسب العيش، من خلال توفير التمويل للمزارعين، وتأهيل الأسواق، وتشجيع المشروعات الصغيرة، وإعادة دوران عجلة الإنتاج. فالاستقرار الحقيقي يبدأ عندما يجد المواطن فرصة للعمل والإنتاج، لا عندما يكتفي بالمساعدات الإنسانية.
ومن القضايا التي لا يجوز إغفالها معالجة أوضاع المساكن والممتلكات المتضررة، ووضع آليات عادلة وشفافة لحل النزاعات المتعلقة بالأراضي والتعويضات، بما يحفظ الحقوق ويمنع نشوء صراعات جديدة قد تهدد السلام المجتمعي.
كما أن نجاح هذه المرحلة يتطلب مشاركة المجتمعات المحلية والإدارات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني في التخطيط والتنفيذ، لأن إعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة لا تتحقق بالقرارات المركزية وحدها، بل بالشراكة والتواصل والمساءلة.
إن عودة النازحين ليست نهاية الأزمة، بل بداية مسؤولية أكبر. فالدول تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها وإعادة دمجهم في الحياة العامة، وتمكينهم من الإسهام في إعادة بناء وطنهم.
ويبقى التحدي الأكبر أمام السودان هو تحويل ملايين المتضررين من الحرب من ضحايا ينتظرون الإغاثة إلى شركاء في التنمية والإنتاج. فإعادة الإنسان إلى أرضه، وإعادة المدرسة إلى طلابها، والمستشفى إلى مرضاه، والمزرعة إلى مزارعها، هي الانتصار الذي يمنح السلام معناه الحقيقي، ويؤسس لوطن قادر على تجاوز جراح الحرب وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.



