قلم حر | نسيبة خالد | السودان والصين.. شراكة قد ترسم ملامح مرحلة الإعمار وبناء الدولة

صوت الشارع
مقالات وكتاب
قلم حر | نسيبة خالد | السودان والصين.. شراكة قد ترسم ملامح مرحلة الإعمار وبناء الدولة
حين تتوقف أصوات المدافع، يبدأ التحدي الأكبر؛ فالحروب قد تنتهي بقرار عسكري أو سياسي، لكن بناء الدول يحتاج إلى رؤية، وإرادة، وشركاء قادرين على تحويل الدمار إلى فرصة للنهوض. واليوم يقف السودان على أعتاب مرحلة مفصلية، مرحلة لا يكفي فيها ترميم ما تهدم، بل تتطلب إعادة بناء الدولة على أسس أكثر قوة واستدامة.
في هذا السياق، تبرز الصين بوصفها أحد أبرز الشركاء الدوليين الذين يمتلكون خبرات واسعة في تنفيذ مشروعات البنية التحتية، والطاقة، والطرق، والسكك الحديدية، والمناطق الصناعية. وخلال العقود الماضية، أثبتت بكين حضورًا مؤثرًا في مشروعات التنمية داخل العديد من الدول الإفريقية، بما في ذلك السودان، الذي شهد تعاونًا طويلًا في مجالات النفط والطاقة والبنية الأساسية.
لكن السودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة إعمار تقليدية، بل إلى مشروع وطني شامل يعيد بناء الاقتصاد، ويؤسس لمرحلة جديدة من الإنتاج والتنمية. فالمدن المدمرة يمكن إعادة تشييدها، أما الاقتصاد فلا ينهض إلا باستثمارات منتجة، ومؤسسات قوية، وسياسات مستقرة، ورؤية تنموية واضحة.
من هنا، يمكن أن تمثل الشراكة مع الصين فرصة مهمة إذا انطلقت من مبدأ المصالح المتبادلة، واحترام السيادة الوطنية، وربط التمويل بنقل المعرفة، وتدريب الكوادر السودانية، وتعزيز مشاركة الشركات والعمالة الوطنية في تنفيذ المشروعات، حتى لا تتحول إعادة الإعمار إلى مجرد استيراد للخبرات، بل إلى عملية تبني قدرات سودانية مستدامة.
إن إعادة بناء السودان لا ينبغي أن تقتصر على الخرسانة والإسمنت، بل يجب أن تشمل تحديث شبكات الكهرباء والمياه، وإحياء السكك الحديدية، وتطوير الموانئ، ودعم القطاع الزراعي، وإعادة تشغيل المصانع، والاستثمار في التعليم والصحة والتحول الرقمي. فالدول الحديثة تُبنى بالمؤسسات والكفاءات بقدر ما تُبنى بالطرق والجسور.
وفي المقابل، فإن نجاح أي شراكة دولية يتطلب بيئة داخلية مستقرة، وإدارة اقتصادية رشيدة، وقوانين جاذبة للاستثمار، وآليات شفافة للرقابة والمساءلة. فالمستثمر يبحث عن الاستقرار، والممول يبحث عن الثقة، والتنمية لا تزدهر إلا في ظل الحوكمة الرشيدة.
إن موقع السودان الجغرافي، وموارده الزراعية والمعدنية، وسواحله على البحر الأحمر، تمنحه ميزات استراتيجية تجعله قادرًا على أن يصبح مركزًا اقتصاديًا ولوجستيًا مهمًا إذا أُحسن استثمار هذه المقومات ضمن رؤية وطنية بعيدة المدى.
ولهذا، فإن الشراكة مع الصين ينبغي أن تُقرأ باعتبارها وسيلة لتحقيق أهداف السودان، لا غاية في حد ذاتها. فنجاحها لن يُقاس بحجم القروض أو قيمة العقود، وإنما بما تتركه من مصانع تعمل، وحقول تنتج، وشباب يجدون فرصًا للعمل، ومدن تستعيد حيويتها، واقتصاد يخطو بثبات نحو الاكتفاء والإنتاج.
إن السودان يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لتحويل آثار الحرب إلى نقطة انطلاق نحو دولة أكثر قوة وحداثة. وإذا أُديرت الشراكات الخارجية بحكمة، ووُضعت المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، فإن مرحلة الإعمار لن تكون مجرد استجابة لخراب الأمس، بل بداية حقيقية لبناء دولة قادرة على المنافسة، وتحقيق التنمية، وصناعة مستقبل يليق بالشعب السوداني.



