بكاء على وطني المحبوب | عماد الدين السنهوري | ثورة ديسمبر وذكرى 30 يونيو الذاكرة التي لا تنطفئ

صوت الشارع
مقالات وكتاب
بكاء على وطني المحبوب | عماد الدين السنهوري | ثورة ديسمبر وذكرى 30 يونيو الذاكرة التي لا تنطفئ
في تاريخ الشعوب أيام لا تمر كما تمر بقية الأيام، لأنها لا تحمل رقماً في التقويم فحسب، بل تحمل معنىً عميقاً في الوجدان الوطني. و30 يونيو في السودان واحد من تلك الأيام التي تختصر مسافة طويلة من الألم والمقاومة والأمل؛ فهو تاريخ ارتبط من جهة بجرح الانقلاب على التجربة الديمقراطية، ومن جهة أخرى بقدرة الشعب السوداني على تحويل الذاكرة إلى فعل، والحزن إلى وعي، والخوف إلى شجاعة جماعية.
حين يتذكر السودانيون ثورة ديسمبر، فإنهم لا يستدعون حدثاً عابراً، بل يستحضرون لحظة وطنية كبرى خرج فيها الناس من المدن والقرى والأحياء والأسواق والجامعات، رافعين صوتهم ضد الظلم والقهر والفساد والاستبداد. كانت ثورة ديسمبر أكثر من احتجاج على ضائقة معيشية، وأكثر من غضب على ارتفاع الأسعار، بل كانت صرخة عميقة من أجل وطن كريم، يسع أبناءه جميعاً، ويمنحهم حق الحياة والحرية والعدالة والسلام.
لقد كشفت ثورة ديسمبر أن الشعب السوداني، رغم سنوات الإحباط والانقسام والحروب، لم يفقد إيمانه بقدرته على صناعة التاريخ. خرج الشباب والنساء والعمال والمهنيون والطلاب، لا يحملون سوى أصواتهم، ووعيهم، وأحلامهم، وإصرارهم على أن السودان لا ينبغي أن يبقى أسيراً لحكم الفرد، ولا رهينة لمشاريع الإقصاء، ولا ضحية لصراع السلطة والثروة. ومن رحم ذلك الحراك وُلدت لغة جديدة في السياسة السودانية، لغة قوامها السلمية، والمواطنة، والكرامة، ووحدة المصير.
وتأتي ذكرى 30 يونيو لتضعنا أمام سؤال الذاكرة والمسؤولية. فهذا اليوم ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل محطة للتأمل في معنى الانقلاب ومعنى الثورة. فالانقلاب لا يبدأ فقط عندما تتحرك الدبابات، بل يبدأ عندما تُصادر إرادة الناس، وتُختطف مؤسسات الدولة، ويصبح الوطن ملكاً لفئة أو حزب أو جماعة. أما الثورة فلا تكتمل فقط بإسقاط رأس النظام، بل تكتمل عندما تُبنى دولة القانون، وتتحقق العدالة، ويُعاد الاعتبار للمواطن، وتُغلق أبواب العودة إلى الاستبداد.
لقد مثّلت مواكب 30 يونيو في سياق ثورة ديسمبر رسالة واضحة بأن الشارع السوداني لم يكن يبحث عن تغيير شكلي، ولا عن تبديل أسماء، بل عن تحول حقيقي في بنية الحكم والدولة. كانت الرسالة أن دماء الشهداء ليست جسراً لعبور النخب إلى السلطة، وأن تضحيات الشعب لا يجوز أن تُختزل في تسويات ناقصة أو مصالح ضيقة. كان 30 يونيو صوتاً يقول إن الثورة ملك للشعب، وإن أي انتقال لا يضع الحرية والسلام والعدالة في قلب مشروعه سيظل انتقالاً هشاً ومهدداً.
ومن أهم دروس ثورة ديسمبر أنها أعادت تعريف الوطنية. فالوطنية ليست هتافاً عالياً فقط، وليست ادعاءً سياسياً، وليست احتكاراً باسم جهة أو جماعة. الوطنية الحقيقية هي أن يشعر المواطن في دارفور وكردفان والشرق والشمال والوسط والنيل الأزرق والخرطوم أن له مكاناً متساوياً في هذا الوطن. الوطنية أن تكون الدولة عادلة في توزيع الخدمات، منصفة في التنمية، حريصة على كرامة الإنسان، قادرة على حماية المدنيين، ومؤمنة بأن التنوع السوداني مصدر قوة لا سبباً للفرقة.
كما أن ثورة ديسمبر أعادت للمرأة السودانية مكانتها في قلب الفعل الوطني. لم تكن المرأة على هامش الثورة، بل كانت في مقدمة الصفوف: أماً لشهيد، وطبيبة في الميدان، وطالبة في الموكب، وصاحبة صوت في الحي، وحاملة لذاكرة طويلة من الصبر والمقاومة. لذلك فإن أي حديث عن مستقبل السودان لا يكتمل دون الاعتراف بدور النساء، وضمان مشاركتهن الكاملة في بناء الدولة والسلام والعدالة.
غير أن ذكرى 30 يونيو لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة للبكاء فقط، بل إلى لحظة مراجعة صادقة. فالثورات لا تُصان بالشعارات وحدها، بل بالمؤسسات، والوعي، والتنظيم، واحترام الاختلاف، ومقاومة خطاب الكراهية، وبناء مشروع وطني جامع. لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً من الدم والنزوح والفقر والدمار، وما زال الوطن يواجه جراحاً عميقة بسبب الحرب والانقسام. لذلك فإن الوفاء لثورة ديسمبر لا يكون بترديد ذكراها فقط، بل بالعمل من أجل إيقاف الحرب، وحماية المدنيين، وتحقيق العدالة، واستعادة الدولة من منطق السلاح إلى منطق القانون.
إن السودان اليوم يحتاج إلى روح ديسمبر أكثر من أي وقت مضى؛ يحتاج إلى السلمية في مواجهة العنف، وإلى الوعي في مواجهة التضليل، وإلى الوحدة في مواجهة التشظي، وإلى العدالة في مواجهة الإفلات من العقاب. يحتاج إلى مشروع وطني لا يقوم على الانتقام، بل على المحاسبة؛ لا يقوم على الإقصاء، بل على المواطنة؛ لا يقوم على احتكار السلطة، بل على مشاركة السودانيين جميعاً في صناعة مستقبلهم.
وفي ذكرى 30 يونيو، يجب أن نتذكر أن الشعب السوداني لم يخرج من أجل سلطة بديلة فقط، بل من أجل حياة بديلة: حياة بلا خوف، دولة بلا قمع، اقتصاد بلا إذلال، سياسة بلا فساد، ومجتمع بلا عنصرية أو كراهية. خرج السودانيون لأنهم أرادوا وطناً يحترم الإنسان، ويصون كرامته، ويمنحه حقه في التعليم والصحة والعمل والأمن والعدالة.
إن ثورة ديسمبر لم تنتهِ، لأنها لم تكن لحظة في الشارع فقط، بل وعي في وجدان الناس. قد تتعثر المسارات، وقد تتبدل الوجوه، وقد تشتد المحن، لكن الشعوب التي عرفت طريقها إلى الحرية لا تعود كما كانت. ولذلك تبقى ذكرى 30 يونيو شاهداً على أن السودان، رغم الجراح، لا يزال قادراً على النهوض، وأن صوت الشارع حين يتوحد حول الكرامة والعدالة والسلام يصبح أقوى من كل أدوات القمع والانقسام.
ختاماً، فإن أعظم وفاء لثورة ديسمبر ولذكرى 30 يونيو هو أن نتمسك بسودان يسع الجميع؛ سودان لا يُقصي أحداً بسبب إقليمه أو قبيلته أو رأيه أو لونه أو طبقته؛ سودان تكون فيه الدولة خادمة للمواطن لا سيدة عليه؛ سودان تكون فيه السلطة مسؤولية لا غنيمة؛ سودان يخرج من دائرة الانقلابات والحروب إلى فضاء الديمقراطية والسلام والتنمية.
ستبقى ثورة ديسمبر ذاكرة حية، وسيبقى 30 يونيو يوماً للتأمل والمقاومة وتجديد العهد: أن الوطن أكبر من الطغاة، وأن الشعب أقوى من الخوف، وأن السودان، مهما طال ليله، يستحق فجراً جديداً.



