قلم حر | نسيبة خالد | السيادة أولًا.. حين يضع السودان حدًا لوصاية الخارج

صوت الشارع
مقالات وكتاب
قلم حر | نسيبة خالد | السيادة أولًا.. حين يضع السودان حدًا لوصاية الخارج
في كل الحروب والأزمات التي تعصف بالدول، تبقى هناك معركة لا تقل أهمية عن ميادين القتال؛ إنها معركة القرار الوطني. والتصريحات التي أدلى بها السفير السوداني الحارث إدريس أمام مجلس الأمن جاءت لتؤكد هذه الحقيقة، حين شدد على أن العملية السياسية “ملكية وطنية خالصة تُدار داخل السودان وبإرادة السودانيين”.
هذا الموقف لا يمكن قراءته باعتباره مجرد خطاب دبلوماسي، بل يمثل رسالة سياسية مباشرة إلى المجتمع الدولي، وإلى كل الأطراف التي حاولت خلال سنوات الحرب أن تجعل من السودان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
لقد أثبتت التجربة أن كثيرًا من المبادرات الخارجية، رغم ما رفعته من شعارات السلام، اصطدمت بحقيقة واحدة؛ أن السلام لا يُفرض من الخارج، ولا يُكتب في الفنادق وقاعات المؤتمرات، بل يُبنى بإرادة أبناء الوطن أنفسهم. وكلما ازداد التدخل الخارجي، ازداد المشهد تعقيدًا، وتباعدت فرص الوصول إلى تسوية مستقرة.
وفي جانب آخر، حملت تصريحات السفير رسالة لا تقل وضوحًا بشأن وقف إطلاق النار. فالسودان، بحسب ما ورد، لا يرفض مبدأ وقف القتال، لكنه يرفض أن يتحول وقف إطلاق النار إلى فرصة تمنح أي طرف مسلح مساحة لإعادة التموضع أو تعزيز قدراته العسكرية. وهذه رؤية تنطلق من تجارب سابقة شهدتها نزاعات عديدة، حيث استُغلت بعض الهدن لإعادة ترتيب الصفوف بدلاً من تهيئة الطريق نحو السلام.
كما أعاد السفير التأكيد على موقف الحكومة السودانية من قوات الدعم السريع، معتبرًا أن سجل الانتهاكات المنسوبة إليها يستوجب تصنيفها منظمة إرهابية. هذا توصيف يعكس الموقف الرسمي السوداني، ويأتي في سياق مطالبة الخرطوم بتعامل دولي أكثر تشددًا مع ما تعتبره تهديدًا للأمن والاستقرار في البلاد. وفي المقابل، فإن مسألة التصنيف القانوني لأي جهة كمنظمة إرهابية تبقى خاضعة لقرارات وإجراءات تتخذها الدول أو الهيئات المختصة وفق أطرها القانونية.
اللافت أيضًا في الخطاب أنه لم يحصر صناعة السلام في المؤسسات الرسمية وحدها، بل دعا إلى مشاركة القوى السياسية والمجتمع المدني والنساء والشباب إلى جانب القوات النظامية. وهذه نقطة مهمة، لأن السلام المستدام يحتاج إلى قاعدة اجتماعية وسياسية واسعة، لا إلى اتفاقات بين النخب فقط.
لكن يبقى السؤال الأكبر: هل سيحترم المجتمع الدولي فعلًا مبدأ “الملكية الوطنية”، أم سيواصل الدفع بمبادرات متنافسة ورؤى متباينة؟ لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الحلول التي تُصاغ بعيدًا عن الإرادة الوطنية كثيرًا ما تعاني صعوبات في التطبيق، بينما تزداد فرص النجاح عندما يكون أصحاب الشأن هم من يقودون العملية السياسية.
إن استعادة الدولة لا تقتصر على استعادة الأرض أو مؤسساتها، بل تشمل أيضًا استعادة حقها في اتخاذ القرار. وإذا كان السودان يسعى إلى طي صفحة الحرب، فإن نجاح أي مسار سياسي سيظل مرتبطًا بقدرته على تحقيق توازن بين الانفتاح على الدعم الدولي، والحفاظ على استقلالية القرار الوطني، حتى يكون السلام نابعًا من الداخل وقابلًا للاستمرار.


