مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | مشاركة الجيش السوداني في حرب العبور | التاريخ الذي تجاهله الإعلام ولم تنسه ساحات القتال

صوت الشارع

مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | مشاركة الجيش السوداني في حرب العبور | التاريخ الذي تجاهله الإعلام ولم تنسه ساحات القتال

في زمن تتسابق فيه بعض الدول إلى صناعة البطولات الوهمية وتضخيم أدوارها في الأحداث التاريخية، يقف الجيش السوداني شامخاً كعادته، لا يطلب شهادة من أحد، ولا يبحث عن تصفيق المتفرجين. فالتاريخ الحقيقي لا يُكتب في استديوهات الإعلام ولا في منصات الدعاية، بل يُكتب في ميادين القتال وعلى أرض المعارك.
عندما اندلعت حرب أكتوبر 1973، لم يكن السودان يبحث عن مكسب سياسي عابر أو صفقة دبلوماسية مؤقتة، بل اتخذ موقفاً واضحاً لا لبس فيه. أرسل أبناءه وجنوده إلى الجبهة المصرية إيماناً بأن المعركة ليست معركة حدود، بل معركة كرامة عربية وأمن قومي مشترك.
لقد عبرت القوات المصرية قناة السويس في واحدة من أعظم العمليات العسكرية في التاريخ الحديث، لكن ما يغفل عنه كثيرون أن نجاح الحروب لا يعتمد فقط على القوات التي تتصدر المشهد، بل كذلك على القوات التي تؤمن العمق الاستراتيجي وتحمي الجبهة وتوفر الاحتياط العسكري اللازم لاستمرار العمليات. وهنا كان الجيش السوداني حاضراً، يؤدي واجبه دون ضجيج أو ادعاء.
المفارقة المؤلمة أن بعض الصفحات المشرقة في تاريخ السودان العسكري تعرضت للتهميش أو التجاهل المتعمد، بينما جرى الاحتفاء بأدوار أقل تأثيراً لأسباب سياسية وإعلامية. لكن الوقائع لا تتغير بتغير الروايات، والحقائق لا تسقط بالتقادم. فالجيش السوداني كان جزءاً من المجهود الحربي العربي، وساهم في تعزيز الموقف العسكري المصري في لحظة كانت المنطقة كلها تقف على حافة مصير مجهول.
لقد أثبت الجندي السوداني، كما أثبت في ميادين عديدة عبر التاريخ، أنه مقاتل لا تحركه المصالح الضيقة ولا الحسابات الصغيرة. فمن كرري إلى حرب العبور، ومن معارك الدفاع عن الأرض إلى ساحات الواجب القومي، ظل السوداني حاضراً عندما يتردد الآخرون، ومقاتلاً عندما يكتفي الآخرون بالشعارات.
إن الحديث عن مشاركة السودان في حرب أكتوبر ليس محاولة لمصادرة بطولات الآخرين أو الانتقاص من الدور المصري والسوري العظيم، وإنما هو تصحيح لجزء من الذاكرة العربية التي تعرضت لكثير من الانتقائية. فالأمم التي تنسى تضحيات أبنائها تفقد جزءاً من احترامها لتاريخها.
واليوم، وبينما تتعرض المنطقة لعواصف سياسية وأمنية غير مسبوقة، تبدو تلك الصفحة من التاريخ تذكيراً مهماً بأن السودان لم يكن يوماً دولة هامشية في قضايا أمته، بل كان حاضراً في اللحظات المصيرية، يدفع من دماء أبنائه وثمن مواقفه أكثر مما يدفعه كثيرون ممن يتصدرون المشهد الإعلامي.
لقد شارك الجيش السوداني في حرب العبور لأنه كان يؤمن بأن الكرامة لا تتجزأ، وأن المعارك الكبرى لا تُقاس بحجم الدول بل بحجم المواقف. أما التاريخ، مهما حاول البعض تجاهله أو طمسه، فإنه يحتفظ دائماً بمكانه لمن وقف في الصفوف الأمامية عندما كان ثمن الموقف باهظاً وثمن الصمت أقل بكثير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى