قلم حر | نسيبة خالد | سنجة تفضح تزوير التاريخ| لماذا تم تهميش الدور السوداني في نشأة الحضارة الإنسانية

صوت الشارع
مقالات وكتاب
قلم حر | نسيبة خالد | سنجة تفضح تزوير التاريخ| لماذا تم تهميش الدور السوداني في نشأة الحضارة الإنسانية
لم يكن اكتشاف سنجة مجرد حدث أثري عابر يُضاف إلى سجلات الباحثين، بل كان صفعة قوية للروايات التاريخية التقليدية التي ظلت لعقود طويلة تختزل تاريخ الحضارة الإنسانية في مناطق محددة، وتتجاهل عمداً أو سهواً الدور العميق الذي لعبته أرض السودان في مسيرة الإنسان منذ فجر التاريخ.
ففي الوقت الذي انشغل فيه العالم بالبحث عن جذور الحضارة الإنسانية، كانت أرض السودان تحتفظ في صمت بأدلة مادية تؤكد أن هذه المنطقة لم تكن هامشاً جغرافياً على أطراف التاريخ، بل كانت جزءاً أصيلاً من مسرح الأحداث الإنسانية الكبرى منذ آلاف السنين. وجاءت اكتشافات سنجة لتكشف أن كثيراً مما تم تدريسه وتداوله عن بدايات الإنسان يحتاج إلى مراجعة علمية جادة بعيداً عن الانحيازات السياسية والثقافية التي صاحبت كتابة التاريخ.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: ماذا اكتشفت سنجة؟ بل لماذا لم تحظَ هذه الاكتشافات بالاهتمام الذي تستحقه عالمياً؟ ولماذا بقيت الكنوز الأثرية السودانية حبيسة التقارير الأكاديمية بينما تحولت مواقع أخرى أقل قيمة إلى رموز عالمية للحضارة الإنسانية؟
الحقيقة المؤلمة أن السودان كان ضحية لما يمكن وصفه بـ”مركزية التاريخ”، حيث جرى تسليط الضوء على حضارات بعينها وتقديمها باعتبارها المصدر الوحيد للتقدم الإنساني، بينما جرى تهميش أدوار حضارية أفريقية عظيمة، وفي مقدمتها الحضارات السودانية القديمة. ولم يكن هذا التهميش دائماً بريئاً، بل ارتبط أحياناً برؤى استعلائية قديمة نظرت إلى أفريقيا باعتبارها مجرد متلقية للحضارة لا صانعة لها.
وتأتي سنجة اليوم لتعيد طرح الوقائع على الطاولة. فالأدلة الأثرية المكتشفة في السودان تشير إلى وجود بشري قديم ونشاط إنساني متواصل عبر عصور سحيقة، ما يجعل السودان أحد أهم الأقاليم التي يمكن من خلالها فهم تطور الإنسان وانتشاره وتفاعله مع البيئة المحيطة به.
لكن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في التهميش الخارجي، بل في التقصير الداخلي أيضاً. فالسودان الذي يمتلك واحداً من أغنى السجلات الأثرية في أفريقيا والعالم العربي ما زال يعاني ضعفاً في التمويل المخصص للبحوث الأثرية، وغياباً للمشروعات الوطنية الكبرى الهادفة إلى توثيق وتسويق إرثه الحضاري عالمياً.
إن سنجة ليست مجرد مدينة في جنوب شرق السودان، بل هي شاهد تاريخي يطرح سؤالاً محرجاً على العالم: هل كُتب تاريخ الحضارة الإنسانية بصورة عادلة؟ أم أن هناك فصولاً كاملة جرى تجاهلها لأنها لا تنسجم مع الروايات السائدة؟
لا أحد يستطيع الادعاء بأن سنجة وحدها تمثل مهد الحضارة البشرية، فذلك أمر تحدده الأدلة العلمية المتراكمة، لكن المؤكد أن الاكتشافات السودانية المتعددة تفرض إعادة النظر في كثير من المسلمات التاريخية. فالسودان لم يكن أرضاً عابرة في رحلة الإنسان، بل كان إحدى الساحات الرئيسية التي شهدت تطور المجتمعات البشرية عبر آلاف السنين.
إن الدفاع عن الحضارة السودانية ليس تعصباً وطنياً، بل دفاع عن الحقيقة التاريخية نفسها. فالأمم التي لا تعرف قيمة ماضيها تعجز عن بناء مستقبلها، والشعوب التي تسمح بتغييب تاريخها تصبح مجرد هامش في كتاب كتبه الآخرون.
لقد حان الوقت لكي يتحدث السودان بلغته الحضارية الخاصة، لا بوصفه بلداً مزقته الحروب والأزمات فقط، بل باعتباره أرضاً ساهمت في تشكيل ذاكرة الإنسان منذ فجر التاريخ. وما سنجة إلا بداية قصة أكبر بكثير، قصة ما زالت مدفونة تحت الرمال تنتظر من يكشفها للعالم.


