دكينيات | دكتور : عصام دكين | كيف نطور استراتيجية الأمن الغذائي في السودان (٨) لتحقيق الأمن الغذائي

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكينيات | دكتور : عصام دكين | كيف نطور استراتيجية الأمن الغذائي في السودان (٨) لتحقيق الأمن الغذائي
دكينيات(١٧٩١) ٢٠٢٦/٥/١٨م
الدكتور عصام دكين.
* حاولت أطلع على تجارب الدول التي حققت بها أمنها الغذائي وخرجت بحصيلة من الأفكار بالتأكيد لكل دولة ظروفها وخصائصها في تحقيق الأمن الغذائي.
* كانت لنا بحوث قبل أكثر من عشرة أعوام فى ركائز المعرفة للدراسات والبحوث بإشراف البروفيسور فتحي محمد خليفه عميد كلية الزراعة بجامعة الجزيرة ومحافظ مشروع الجزيرة ومدير جامعة الفاشر ووزير الدولة بوزارة التعليم العالي سابقا فى مجال الأمن الغذائي بعد إعداد استراتيجية زراعية للسودان بعد انفصال جنوب السودان وذهاب أكثر من 30% من الغطاء النباتي كانت مفيدة بالنسبة لي ووفرت لي معلومات هائلة عن السودان.
* من خلال تتبعي لاستراتجيات الأمن الغذائي في السودان خرجت بالآتى:.
بذلت محاولات لتطوير السودان كسلة الغذاء في العالم العربي ونظرت حكومات الخليج بشكل خاص إلى وفرة الأراضي والمياه في السودان وزعمت الاستراتيجيات العربية لتنمية الزراعة السودانية في البلاد التي لها ٢٠٠ مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة. كان المزروع منها ١٥ مليون فدان فقط وكان التركيز على قطاع الزراعة المروية بأنظمة الري الحديث وقدم الصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي ومقره الكويت استثمار بمبلغ وقدره ٥.٥ مليار دولار في الزراعة في السودان بين الأعوام ١٩٧٦م-١٩٨٥م وكان من المؤمل أن يوفر السودان في نهاية المطاف ٤٢% من واردات العالم العربي من زيت الطعام و ٢٠% من السكر و١٥% من القمح ولكن السودان في بداية السبعينات أصدر تشريعات لا تمنح امتيازات للمستثمرين الأجانب تشمل إعادة الأرباح إلى الوطن وحماية التعريفات الجمركية من الواردات المنافسة والامتيازات الزراعية واستمرت سياسات الباب المفتوح حتى العام ١٩٨٣م مما أفشل محاولات الاستثمارات الخليجية في السودان.
استولت حكومة نميري على أراضي القبائل غير المسجلة وكثيرا ما جعلت الحكومة الأراضي القبلية متاحة للمستثمرين الأجانب وشجعت على زراعة الحبوب المزروعة بالمياه في وسط السودان مما أدى لتشريد العديد من الرعاة وتحويل المزارعين من استخدامهم التقليدي للأراضي.
إن استراتيجية السودان سلة الطعام ( غذاء العالم) فى الفترة بين ١٩٧٥م -١٩٨٥م تدفق أكثر من مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية إلى البلد ولكن الإنتاجية الزراعية كانت راكدة كما انخفضت عوائد الصادرات حيث كان هنالك صراع غير ظاهر بين المستثمرين العرب وعدم كفاية خدمات الإرشاد الزراعي الحكومية وإهمال الزراعة التقليدية وصغار المزارعين فضلا عن المدخلات عالية التكاليف مثل الأسمدة والآلات الزراعية و كذلك التصحر ونزاعات استخدام الأراضي والفشل في استخدام الأراضي المستأجرة وعدم استقرار الاقتصاد الكلي والإدارة السيئة وتردد المستثمرين العرب في الالتزام بالتمويل والواقع أن المشروع الوحيد الذي موله العرب هو مشروع سكر كنانة والذي لم ينجح تصديره إلى دول الخليج.
إن تجربة السودان سلة غذاء العالم العربي أسفرت عن إنشاء مزارع جديدة كانت ٨٠% منها أكثر من ١٠٠٠ هكتار إلى جانب ٥.٥ مليون هكتار من الأراضي كان يشملها المشروع.
يبدو أن المحاصيل ظلت منخفضة أقل من ١٠% من الامكانات المتاحة ودمر الغطاء النباتي الطبيعي وتدهورت الأراضي وهجرة الحقول كما تم غض الطرف عن حقوق أصحاب الحيازات الصغيرة والرعاة مما أدى إلى زيادة النزاعات.
قدمت المؤسسات الدولية قائمة بالاصلاحات العشرة النيوليبرالية لتحقيق الأمن الغذائي القائم على التجارة فى الثمانينات والتسعينيات (المعانى الثلاثة لاجماع واشنطن الأمن الغذائي القائم على التجارة). وقامت الحكومات السابقة بتطبيق هذه القائمه التي خلقت
توفير وجبه واحدة فى اليوم مما تسببت في الانفلات الأمني والسلب والنهب.
* المعنى الأول الأصلى للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية يقوم على الإصلاحات العشرة وهى:
١/ الانضباط المالى.
٢/ إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام.
٣/ الإصلاح الضريبى.
٤/تحرير أسعار الفائدة.
٥/ سعرف صرف تنافسى.
٦/ تحرير التجارة.
٧/ تحرير الاستثمار الأجنبي المباشر الداخلي.
٨/ الخصخصة.
٩/ الغاء الضوابط التنظيمية.
١٠/ تعزيز حقوق الملكية.
* المعنى الثاني للمصطلح يشير إلى مجموعة من السياسات الاقتصادية التي تنادي بها الدول النامية بشكل عام من قبل واشنطن والتي تعني مؤسسات صندوق النقد والبنك الدوليين ووزارة الخزانة الأمريكية وأصبح تطبيقها شرط أساسي لتقديم القروض والمنح للحكومات.
* المعنى الثالث للمصطلح يشير إلى رأى النقاد حول مجموعة السياسات التي تسعى مؤسسات النقد الدولية التى فرضها عملائها (يقول النقد أن مؤسسات النقد الدولية هى التى تمثل النيوليبرالية) وهى تسعى إلى تقليص دور الدولة في الأنشطة الاقتصادية مما يجعلها من دون مسؤولية تجاه الشعب السوداني من الناحية الاقتصادية والخدمية فقط تضع سياسات بل أصبحت الحكومات تمول بالكامل من الشعب السودانى الفقير.
* مؤسسات صندوق النقد والبنك الدوليين تعرض استخدام العديد من أدوات السياسات والتدخلات الحكومية في القطاع الزراعي فى الاقتصاديات النامية والناشئة مدعية أنها تمثل تشوهات في السوق للتجارة والتوزيع وتؤدي إلى عدم الكفاءة الاقتصادية وهذا ما اقتنعت به بعض الحكومات السودانية وقامت بتطبيقة على الشعب السودانى المسكين الضعيف الفقير مما أوصله إلى مرحلة الغلاء والجوع والمرض والمثغبة والتضخم الجامح وتدني قيمة الجنيه السوداني مقابل العملات الصعبة وتحولت الحياة إلى جحيم لا يطاق وأفقده أمنه الغذائي على المستوى الفردي والقومي والمحلي. وقامت بعض الحكومات بالآتى :
١/ زيادة التعرفة الجمركية على الواردات الزراعية مما زاد من أسعار هذه السلع محليا.
٢/ إعادة تخصيص الموارد مثل الأراضي والعمل والمياه لهذه الأنشطة الزراعية لكن لن تستطيع الحكومات السودانية فعل ذلك لأن مسألة الأراضي معقدة جدا والتي عجزت عنها كل الحكومات السودانية المتعاقبة في إعادة تخصيص الأراضي لأنها سبب النزاعات في السودان وما يدور من نزاعات في دارفور سببه الرئيسي هو الأراضي والحواكير .
* إجراءات مؤسسات صندوق النقد والبنك الدوليين سوف تعمل على ايقاف أنشطة أخرى أكثر كفاءة من هذه الموارد وهذة النتيجة تحث على التحيز ضد الصادرات لأن الموارد تبعد عن قطاع التصدير يحتمل أن يكون حبوبا.
* إن تكلفة السلع المحمية المنتجة محليا تكون مرتفعة مقارنة بتكلفة الاستيراد غير المحمي لهذه السلع وهذا ما يحدث الأن في السودان أن سلع منتجة محليا تكون أسعارها للمستهلك عالية جدا مثل اللحوم والأدوية والحبوب والسكر والزيوت.
* يتوقع الجزاءات على الصناعات التي تستخدم هذه السلع كمدخلات ويضطر المستهلكين دفع أسعار أعلى للبضائع ما لم يكن هنالك دعم لأسعار المستهلكين.
* إن إزالة تشوهات الأسعار وسياسة الحماية عبر السياسات الاقتصادية النيوليبرالية ليست وسيلة فعالة اقتصاديا لتحقيق هذه الأهداف مثل.
١/ دعم دخول المزارعين.
٢/ دعم الأمن الغذائي.
* إن سياسات دعم الدخل المباشر للمزارعين الفقراء الذين لا يرتبطون بعملية الإنتاج يمكن أن يحقق السياسات والنتائج بأقل من التشوهات الاقتصادية.
* السياسات المشروطة في شكل قروض التكيف الهيكلى للبنك الدولي وقروض التكيف القطاعي وقروض التثبيت الهيكلي لصندوق النقد الدولي علاوة على القروض الاحتياطية وبالتالي لا بد من إصلاح القطاع الزراعي على وجه الخصوص لإزالة التشوهات حتى يتم المنح من تلك المؤسسات الاقتصادية الدولية.
* برنامج التكيف الزراعي الهيكلي من المؤسسات الدولية هو تدخل في القطاع الزراعي مكلف من الناحية المالية كما يؤدى لتخصيص الموارد دون المستوى الأمثل والهدف من الإصلاح تحرير أسعار المدخلات والمخرجات وتقليل نشاط الدولة وتحرير التجارة الدولية وتحسين البئية الأساسيه للأسواق وقواعد التجارة ووضع الإطار القانوني الاقتصادي قائم على السوق وهذا النمط من السياسات الاقتصادية النيوليبراليه لا تهتم بشريحة الفقراء ما لم تقوم الدولة بعمل شبكة قوية للأمان الاجتماعي (الدعم الاجتماعي).
* شملت الإصلاحات المحدودة التي قامت بها بعض الحكومات السابقة إزالة دعم المدخلات الزراعية وتفكيك مؤسسات التسويق التابعة للدولة وكذلك تخلي الحكومة عن أسعار الضمان للمنتجات والمشتريات وتحرير الواردات الزراعية.
* نصائح النيوليبرالية الاقتصادية في مجال السياسات بشأن الخطوات المطلوبة لتحقيق الأمن الغذائي.
١/ التركيز الكبير على النهج القائم على التجارة في مجال الأمن الغذائي وفقا للمباديء الاقتصادية للميزة النسبية الدولية.
٢/ الإبتعاد عن المحاصيل التي تستهلك المياه بكثافة للاستهلاك المحلي مثل القمح والشعير والحبوب الأخرى فضلا عن ماشية الألبان واللحوم (السودان ليس لديه ندرة في المياه الجوفية أو السطحية نسبة لهطول أمطار معقولة).
٣/ التحول نحو محاصيل ذات قيمة أعلى وأقل استهلاك للمياه مثل الفواكه والخضروات والمحاصيل الشجرية للسوق المحلية وللتصدير (السودان ليس لديه ندرة في المياه وبالتالي فرصته في التنوع والإنتاج الزراعي كبيرة).
ومن ثم يمكن استخدام عوائد التصدير لدفع فاتورة الواردات الغذائية خاصة الحبوب (السودان له إمكانيات وموارد طبيعه تؤهله لإنتاج الأغذية وتحقيق أمنه الغذائي).
* يتأثر المنهج النيوليبرالي الاقتصادي في مجال سياسات الأمن الغذائي:
١/ نظرية الميزة النسبية.(السودان بلد متنوع ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا ومناخيا وطبوغرافيا وجغرافيا)
٢/ مفهوم المياه الافتراضية والتجارة وهو كمية المياه المستخدمة لإنتاج سلعة ما (السودان لديه فائض في المياه وفي نفس الوقت ليس لديه سعات تخزينه في الوقت الحالي)
* أشار البنك الدولى إلى أن إنتاج الخضروات يعطى ست مرات قيمة مضافة أكبر لكل قطرة من المياه من إنتاج القمح ومع ذلك فإن المزارعين لا يجبرون على دفع التكاليف الكاملة والحقيقية للمياه
* التوصية التي تتعلق بالسياسات فى إصلاح تشوهات الأسعار من أجل تشجيع وتخصيص الموارد الشحيحة بالإضافة إلى التحولات في الموارد داخل القطاعات الزراعية والتركيز على التنوع الاقتصادي نحو تصدير السلع التحويلية والخدمات والسياحة وينتج عنه عوائد من النقد الأجنبي يستخدم لدفع ثمن الواردات الغذائية.
* المنهج القائم على التجارة في الأمن الغذائي ينعكس على التركيز على الاكتفاء الذاتي وإنتاج الغذاء محليا وخاصه إنتاج الحبوب وماهية إنتاج اللحوم واللبن .
* تأثرت العديد من الدول النيوليبرالية في العقود الماضية التي أجبرت على اللجوء إلى صندوق النقد والبنك الدوليين للحصول على المساعدة المالية مقابل وعود بإصلاح السياسات. السودان أجبر على تطبيق السياسات الاقتصادية النيوليبرالية حتى يتم رفع الحظر الاقتصادي الجائر ورفع العقوبات الاقتصادية ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ومن ثم يتم منحه حقوقه وفوائده فى صندوق النقد والبنك الدوليين.
* السياسات السودانية الحكومية منذ الثمانينات تعمل على تشجيع زراعة المحاصيل النقدية للتصدير مقارنة بما كان في الماضي (تخطيط المشاريع لتشجيع الصادرات الزراعية).
* عملت النيوليبرالية على تحرير ايجارات الأراضي والقطاع العقاري مما أدى إلى المضاربة في الأراضي.
* تعمل النيوليبرالية على تغويض إنتاج الغذاء المحلي.
* عمل الحصار الاقتصادي الجائر والعقوبات الاقتصادية على السودان و قوض الدعم مع نقص الموارد اللازمة مثل الأسمدة ومبيدات الآفات والآلات الزراعية التي تحد من إنتاج الغذاء محليا ولكن السودان عمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي خلال حكم الانقاذ و صار الآن يحتاج إلى ٨٠% من احتياجاته الغذائية في ظل الحرب وما قبل الحرب حيث طبقت السياسات الاقتصادية النيوليبرالية.
هنالك ضغوط تمارس على السودان من المنظمات الدولية بالعمل على تحرير القطاع الزراعي واتخاذ منهج أكثر اعتمادا على التجارة في مجال الأمن الغذائي منذ منتصف الثمانينات وما بعدها ولكن لم يستجيب السودان إلا في ظل بعض الحكومات ذات الفترة القصيرة.
* القطاع الزراعي من أكثر القطاعات مقاومة للإصلاح في السودان حيث كان الإصلاح يتم بشكل بطيء في كثير من الأحيان لأنه مرتبط بموسم الأمطار وقطاع تقليدي ولا توجد مؤسسات مالية توفر التمويل الزراعي.
* استمرار السودان في سياسة الحماية لوقاية المنتجين من المنافسة الأجنبية في المنتجات الاستراتيجية مثل القمح اللين والقمح الصلب والحليب والقطن والسكر كانت حماية القطاع الزراعي في عهود سابقة قائمة.
* اتبعت الإنقاذ سياسة زراعية بنظامين وسعرين لدعم دخل المزارعين.
الأول تحدد الدولة الحد الأدنى لأسعار الضمان في بداية الموسم للقمح والذرة وعادة ما يكون أعلى من السعر العالمي.
الثاني تدعم الدولة الأسعار بشكل غير مباشر للمحاصيل حيث تدخل السوق عن طريق المخزون الاستراتيجى للبحث عن زيادة الطلب وتقوم بشراءه وبالتالي تحافظ على إبقاء الأسعار مرتفعة (تشترى السلع في حالة وجود فائض بها) بالإضافة لتقديم دعم للمدخلات الزراعية مثل الأسمدة ومبيدات الآفات والمياه ويقدم البنك الزراعي القروض لصغار ومتوسطي المزارعين ميسرة وحوافز استثمار وحوافز دفع مقدما تتراوح بين ٩% إلى ١٢% للإنتاج الزراعي واعفاء من ضريبة القيمة المضافة على المدخلات الزراعية و تقديم وقود معفي من الضرائب.
* أوصت المؤسسات الدولية بالسياسات الزراعية لدول متعثرة في الغذاء وتريد هذه الدول الاعتماد بشكل كبير على الواردات الغذائية العالمية.
* اذن تحقيق الأمن الغذائي يكمن في الإنتاج ودعمه وتشجيعه.
—————————–
سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين دكتور عصام دكين



