مقالات وكتاب

حديث الجرثومة (تأمل في معدة الوطن)   |   عثمان عربي

حديث الجرثومة (تأمل في معدة الوطن)   |   عثمان عربي

قيل لي الجرثومة التي تصيب المعدة لا ترى لكنها تربك الجسد كله

فقلت تلك تشبه السياسة حين تفسد… تبدأ خفيفة كألم في أطراف الروح ثم تلتهم كل شيء.

الجرثومة لا تطرق الباب بل تدخل صامتة مثل فكرة صغيرة في رأس مسؤول أو صفقة وقعت تحت الطاولة

تكمن بين جدران المعدة كما يكمن الفساد بين السطور وفي ظلال القرارات

وتبدأ الأعراض

حرقة لا تخمد

شعور دائم بالامتلاء رغم الجوع

غثيان من كل شيء حتى من رائحة الخبز والماء

هكذا تصبح السياسة في بعض الأوطان

تشبعنا شعارات وتجوعنا معنى

تطعمنا الوعود فنختنق بها

تغذينا بالكلمات لكنها كلمات من هواء فاسد تكدس في البطن ولا تخرج

الجرثومة تحول المعدة إلى مسرح للفوضى

كما تحول السياسة المدن إلى جبهات والناس إلى وقود والرايات إلى ستائر تخفي وراءها السعال المزمن للوطن

وما أشبه القولون العصبي بالحياة السياسية

سريع الانفعال هش المزاج لا يحتمل التغيير يتقلب مع كل وجبة ومع كل فكرة ومع كل صباح جديد

في وطن مريض حتى الشبع يتعب

حتى النفس يستأذن

وحتى الصمت يصاب بالإسهال

والحقيقة

أن الجرثومة لا تأتي من الطعام فقط بل من طريقة الأكل

من الجشع من السرعة من بلع كل شيء دون تمييز

تماما كما تأتي أوجاع الوطن من بلع الاتفاقات بلا نقاش ولا ضمير ولا ملح التجربة

والمؤسسات في هذا الجسد صارت مثل أعضاء مرهقة

لا تنسق لا تتحدث لا تعرف ماذا تهضم وماذا ترفض

كأن الدولة فقدت شهيتها للخير وتعلقت فقط بما يبقيها واقفة على قدم واحدة

والمشكلة ليست في الجرثومة وحدها

بل في أن المريض يتعود على الألم كما يتعود المواطن على الانقطاع والغلاء والخوف وانعدام الأمل

لكن المعدة لا تكذب

ولا تجامل

وكل جسد لا يطهر ينهك

وكل وطن لا يداوي جرثومته الأولى يتآكله المرض مهما غير الوجوه

أما العلاج فلا يأتي من دواء غريب

بل من

ضبط النفس كما يضبط الميزان

أكل السياسة على مهل كما يأكل الصوفي تمرته الأولى

اجتناب كل طعام أفسده الطمع أو غلفه النفاق أو طبخ على نار الكراهية

فالوطن مثل الجسد لا يشفى بمجرد النية

بل يحتاج إلى صوم عميق عن الفساد ووضوء صادق من الأنانية وغسل كامل من حب السيطرة

والسياسي إن لم يكن زاهدا

صار مثل الجرثومة صغير الحجم عظيم الأذى لا يعيش إلا في الظلمة

في جوف الوطن كما في جوف المعدة تستقر الجرثومة حين تغيب الرقابةويختل التوازن ويغيب الصدق

ولن يشفى الجسد إلا حين يعيد ترتيب أكله

ولن يشفى الوطن إلا حين يعيد ترتيب قيمه

السودان اليوم ليس على سرير في غرفة الإنعاش بل على طاولة الجراحة… والجراحون كثر لكن بعضهم يحمل مشرطا وبعضهم الآخر يحمل أجندة

فإما أن نكون نحن أطباء أنفسنا أو نظل مرضى في عيادة الآخرين

لأن الجرثومة مهما بدت عصية لا تصمد أمام جهاز مناعة يعرف نفسه

 

 

عثمان عربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى