مقالات وكتاب

على طاولة الوطن | عاتكة عيسى إبراهيم محمود | حين تنتصر الهوية الوطنية على ضجيج الانتماءات الضيقة

صوت الشارع

مقالات وكتاب

على طاولة الوطن | عاتكة عيسى إبراهيم محمود | حين تنتصر الهوية الوطنية على ضجيج الانتماءات الضيقة

*بقلم: عاتكة عيسى إبراهيم محمود*

في اللحظات المفصلية من تاريخ الأوطان، تُختبر حقيقة الانتماء، وتُقاس وطنية المواقف بمدى القدرة على تقديم المصلحة العليا للبلاد على الحسابات الضيقة. والسودان اليوم، وهو يواجه تداعيات حرب أنهكت الإنسان ومزقت نسيجه الاجتماعي، بحاجة إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار للهوية الجامعة، ويجعل المواطنة أساساً للانتماء والحقوق والواجبات.

فالهوية السودانية ليست امتيازاً تمنحه قبيلة أو جهة، وليست حكراً على ثقافة أو مجموعة بعينها، بل هي إرث تاريخي وحضاري تشكل من تنوع ثقافي واجتماعي وإنساني، ظل يمثل مصدر ثراء وقوة لهذا الوطن. غير أن أخطر ما يهدد هذا الإرث هو تحويل الاختلاف إلى خصومة، والانتماء إلى أداة إقصاء، والمواقف السياسية إلى حواجز تفصل أبناء الوطن الواحد.

إن تجاوز هذه المرحلة لا يتحقق بالشعارات، بل بإرادة وطنية تعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وتدعم المصالحات الوطنية، وتجبر الضرر، وتفتح مسارات العودة الطوعية، وتواجه خطاب الكراهية، وتؤسس لثقافة تقبل الآخر. كما تبرز أهمية دور الإدارة الأهلية والمرأة والشباب والمؤسسات المجتمعية في قيادة مبادرات السلم الاجتماعي وتعزيز التماسك الوطني.

ومن هنا، تبرز مسؤولية النخب السياسية والفكرية والإعلامية في إعادة صياغة الخطاب الوطني، والانتقال من إدارة الخلافات إلى صناعة التوافق، ومن استدعاء الانتماءات الضيقة إلى ترسيخ مفهوم الدولة القائمة على المواطنة وسيادة القانون والعدالة المتساوية.

ويبقى الرهان الحقيقي: هل نمتلك الشجاعة لتحرير مستقبل السودان من رواسب الانقسام، وتأسيس عقد وطني يجعل التنوع مصدر قوة، والاختلاف مساحة للحوار، والوطن القاسم المشترك الذي لا تعلو عليه أي مصلحة؟

إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الاصطفافات، بل إلى إرادة تجمع ولا تفرق، ورؤية وطنية تتسع للجميع، ومشروع يعيد للإنسان السوداني ثقته في وطنه ومستقبله.

*فحين تنتصر الهوية الوطنية على ضجيج الانتماءات الضيقة، يصبح الوطن أكبر من القبيلة، والمواطنة أقوى من الجهة، وتصبح وحدة السودان مسؤولية مشتركة لا تقبل المساومة. فالأوطان لا يصنع مستقبلها المتنازعون على هويتها، بل الذين يؤمنون بأن قوتها في تنوعها، ونجاتها في وحدتها، ونهضتها بسواعد جميع أبنائها.*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى