مقالات وكتاب

بصراحة اقتصادية من واقع التجربة والممارسة | عبدالمنعم على التوم | احترموا الجنيه السوداني وارحموا الشعب

صوت الشارع

مقالات وكتاب

بصراحة اقتصادية من واقع التجربة والممارسة | عبدالمنعم على التوم | احترموا الجنيه السوداني وارحموا الشعب

هل يعقل أن تُنتهك سيادة الجنيه السوداني في قعر داره؟!

فى صبيحة يوم 11 سبتمبر 2026 وعند عودتى من القاهرة ووصولى مطار الخرطوم ، هبطت ثلاث طائرات متتالية ، ونُقل القادمون الى صالة الحج و العمرة ، التى إكتظت بالركاب ، أما خدمة نقل الأمتعة، فكان يتولاها سير واحد فقط لخدمة ركاب ثلاث طائرات ، الأمر الذي خلق معاناة لا تخفى على أحد.

ولم أتوقف كثيرًا عند هذه المشاهد؛ فنحن نعرف ظروف الحرب، ونعرف أن كثيرًا من مرافق الدولة تعمل بما تيسر لها، بل إنني كنت مستعدًا نفسيًا لكثير مما قد أراه

لكن شيئًا واحدًا آلمني حقًا:رأيت بعض القادمين الأجانب يدفعون رسومًا تُحصّلها الدولة السودانية، بالدولار الأمريكي، داخل الأراضي السودانية، وفي مطار الخرطوم، وأمام جمهور من المواطنين والقادمين

وكان بعض الإخوة من القوات النظامية، وأحسب أنهم من العاملين في مجال الجوازات، يتولون تحصيل تلك الأموال.

وهنا توقفت طويلًا. وجالت ودارت الافكار بخاطرى :

كيف يحدث هذا؟!

نحن لا نتحدث عن سائح داخل فندق أجنبي، ولا عن عملية تجارية خاصة بين طرفين، ولا عن تحويل مصرفي خارج السودان.

 

نحن نتحدث عن إيراد حكومي يُحصّل داخل السودان، باسم الدولة السودانية، وفي أحد أهم منافذها السيادية، وبعملة أجنبية !

فإذا كانت الدولة نفسها لا تحترم عملتها في منافذها ومؤسساتها، فكيف نطلب من المواطن أن يحترمها؟

وإذا كانت مؤسسات الدولة تقبل الدولار في تحصيل إيراداتها داخل السودان، فكيف نلوم المواطن عندما يبحث عن الدولار، أو نشن الحملات على من يتعامل به، أو نتساءل بعد ذلك: لماذا تراجع الجنيه السوداني؟!

أين بنك السودان واين مدراء السياسة النقدية فى البلاد ؟!!!

يا سادة… العملة الوطنية ليست مجرد ورقة نقدية !

الجنيه السوداني أحد رموز سيادة الدولة.

التعامل به داخل الاراضى السودانية فرض عين .!!!

العملات الأجنبية جهة الاختصاص و التعامل فيها (البنوك ) !!

ما هذا الهراء وماهذا الاهمال المريع الذى يهدر موارد الشعب عبر جهات ليس لها علاقة بهذا الأمر .!!!

وكما أن للدولة علمًا ونشيدًا وحدودًا وجواز سفر، فلها أيضًا عملة وطنية يفترض أن تكون هي وسيلة الوفاء الأصلية داخل حدودها . ومن هنا تبرز القوة .!!

ولذلك فإن القضية هنا ليست:

(دولار أم جنيه؟)

القضية أعمق من ذلك بكثير.

إنها قضية سيادة نقدية.

 

الدولار الذي يدخل السودان… لمن؟!

وهنا نصل إلى جوهر المسألة.

الدولار الذي يدخل البلاد لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد ورقة أجنبية تتداولها أي جهة كيفما شاءت.

إنه مورد من موارد النقد الأجنبي داخل الاقتصاد السوداني، ومن المفترض أن تمر الإيرادات الحكومية بالنظام المالي والمصرفي للدولة، بما يسمح بتجميع موارد النقد الأجنبي ورقابتها والاستفادة منها في إدارة الاقتصاد.

فإذا كانت وزارة أو مؤسسة حكومية تحصل رسوما ًبالدولار، ثم بقي الدولار خارج الدورة المصرفية التي تُمكّن الدولة من تجميع مواردها وإدارتها، فإننا نكون قد فقدنا جزءًاً من السيطرة على مورد نحن في أمس الحاجة إليه حتى ولو كان فى حساب جهة حكومية ، فإنها ليست جهة اختصاص .!!!

وهنا يأتي السؤال الذي يجب ألا نهرب منه:

أين يذهب هذا الدولار بعد تحصيله؟

ومن يراقبه؟

وأين يُورد؟

وهل يدخل النظام المصرفي الرسمي؟

وهل يظهر في حسابات الدولة؟

وهل تستفيد منه احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي؟

أم أننا نجمع الدولارات من منافذ الدولة، ثم نتساءل في اليوم التالي: أين اختفى الدولار؟! وأين ذهب ؟! وفيما صرف ؟!! ومن هو المسؤول فى حق التصرف فى العملات الاجنبية غير البنك المركزى !!! جميعها اسئلة تطرح نفسها أمام مسئولى السياسة النقدية وعلى رأسهم البنك المركزى .!!!

فى تقديرى الحل ليس معقداً ولا يحتاج لعلماء فى الفيزياء النووية !!!

إذا كانت هناك رسوم حكومية يجب تحصيلها من الأجانب بالنقد الأجنبي، فهناك حلول مصرفية وإدارية معروفة، تحتاج لمن يفهم فى المجال .

ومن وجهة نظر مصرفية، كان يمكن أن تُرتب الدولة آلية واضحة، بحيث تقوم البنوك الحكومية بفتح نقاط أو وكالات مصرفية في المنافذ ذات الصلة، لشراء النقد الأجنبي المحصل لصالح بنك السودان، على أن يُقيد المقابل بالجنيه وفق السعر الرسمي المعتمد، ويُورد لحساب الجهة الحكومية المعنية.

وبذلك تحقق الدولة عدة أهداف في وقت واحد:

تحصيل الرسوم، والسيطرة على النقد الأجنبي، وإدخاله إلى الجهاز المصرفي، وتسجيل الإيراد الحكومي، وتعزيز الشفافية، ودعم إدارة احتياطيات النقد الأجنبي.

أما أن نقف في مطار الدولة، ونحصّل الدولار مباشرة، ثم نطلب من المواطن في السوق أن يؤمن بأن الجنيه هو عملة الدولة الوحيدة ذات السيادة…

فهنا يصبح السؤال مشروعًا:

من الذي لا يحترم الجنيه أولًا؟ المواطن، أم بعض مؤسسات الدولة؟! أم الدولة فى ذاتها .؟!!

لا تطلبوا من الشعب ما لا تفعله الدولة!

يا أولياء الأمر…يا رئيس الوزراء…يا محافظ بنك السودان…يا وزير المالية

يا كل من تقع على عاتقه مسؤولية إدارة المال والنقد في هذا البلد…

احترموا الجنيه السوداني أولًا، ثم اطلبوا من المضاربين فى العملات احترامه!

لا يمكن أن نطارد المواطن لأنه يحمل الدولار، بينما يجد المواطن والأجنبي أمامه مؤسسات رسمية تتعامل بالدولار في تحصيل رسومها داخل السودان.

لا يمكن أن نرفع شعار حماية العملة الوطنية، ثم نسمح باستعمال العملات الأجنبية في قلب مؤسسات الدولة.

لا يمكن أن نطالب السوق بأن يكون سودانيًا، بينما نترك بعض منافذ الدولة تتعامل بغير الجنيه!

هذه ليست معادلة اقتصادية سليمة.

إنها رسالة متناقضة تصل إلى المواطن كل يوم:

(أيها المواطن، احترم الجنيه… ولكننا نحن سنأخذ منك الدولار الى جهات غير معلومة )

فكيف يستقيم هذا؟!

الجنيه لا يحتاج إلى خطب… يحتاج إلى دولة تحميه وتقف خلفه بصلابة وصرامة لكى يتعافى من هذا المرض العضال .!!!

الجنيه السوداني لن يستعيد احترامه بالتصريحات وحدها.

ولن ترتفع قيمته لأننا أصدرنا بيانًا جديدًا.

ولن يتوقف انهياره لأننا طالبنا المواطنين بعدم التعامل بالدولار.

العملة الوطنية تحترم عندما تحترمها الدولة أولًا.

تحترم عندما تكون كل الإيرادات الحكومية تحت السيطرة المصرفية.

تحترم عندما يدخل النقد الأجنبي إلى النظام المصرفي الرسمي. والى خزينة بنك السودان لبناء الاحتياطيات التى تحافظ على ثبات العملة الوطنية !!

تحترم عندما تُعرف حصائل الصادرات وأين ذهبت.!!

تحترم عندما تكون حسابات الدولة واضحة ويمكن تتبعها.!!

تحترم عندما تكون هناك سياسة نقدية متماسكة، لا إجراءات متفرقة ومتعارضة. وتداخل فى الصلاحيات و الاختصاصات .

وتحترم عندما يشعر المواطن أن الدولة لا تطلب منه شيئًا لا تلتزم به مؤسساتها.

وأخيرًا… بصراحة اقتصادية!

أنا لا أكتب هذا الكلام من برج عاجي، ولا من كتاب في الاقتصاد.

أنا أتحدث من واقع التجربة والممارسة، ومن مشهد رأيته بعيني في مطار الخرطوم.

وقد يكون لهذا المشهد تفسير إداري أو مالي لا أعرفه، وقد تكون هناك ترتيبات رسمية لتحويل تلك الأموال أو توريدها؛ ولذلك فإن السؤال الذي أطرحه هنا ليس اتهامًا لأفراد، وإنما سؤال دولة يجب أن تكون إجابته واضحة وشفافة.

لكن المشهد في حد ذاته يفتح باباً لا يجوز إغلاقه:

إذا كان الجنيه السوداني هو العملة الوطنية، فلماذا تُحصّل الدولة نفسها رسومها بالدولار داخل السودان وتنتهك صراحة سيادة العملة الوطنية ؟

وإذا كان الدولار موردًا نادرًا تحتاجه البلاد لبناء احتياطياتها وإدارة سعر الصرف وتمويل تجارتها الخارجية، فلماذا لا يدخل كل دولار تحصله الدولة إلى الدورة المصرفية الرسمية وتحت رقابة بنك السودان؟

بصراحة اقتصادية، ومن واقع التجربة والممارسة:

أنتم عاوزين تحترموا الجنيه السوداني كيف؟!

ومَتَيْن؟!

فالجنيه لا يريد خطبة عصماء…

الجنيه يريد دولة تحترمه أولًا.

وارحموا الشعب…

فقد كفاه ما رأى من الحرب والأسعار وانهيار القوة الشرائية لقيمة الجنيه السودانى .

فلا تجعلوا المواطن هو المتهم الوحيد في جريمة إهدار قيمة عملته، بينما بعض مؤسسات الدولة نفسها ، تفتح أبوابها للدولار على مصراعيه وتصبح سببا مباشرا فى تدهور العملة الوطنية !

يا من تتحدثون ليل نهار عن حماية الجنيه… أصحى يا بنك السودان وأتقوا الله فى العباد ، فقد بلغت القلوب الحناجر ….!!!

تقديم /

عبدالمنعم على التوم

2 اكتوبر 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى