مقالات وكتاب

بصراحة اقتصادية | عبد المنعم علي التوم | ومن واقع التجربة و الممارسة | الحسابات الحكومية… مسألة أمن قومي

صوت الشارع

مقالات وكتاب

بصراحة اقتصادية | عبد المنعم علي التوم | ومن واقع التجربة و الممارسة | الحسابات الحكومية… مسألة أمن قومي

بسم الله الرحمن الرحيم

(بصراحة اقتصادية ….ومن واقع التجربة و الممارسة)

الحسابات الحكومية… مسألة أمن قومي

هناك مسائل اقتصادية يمكن أن تحتمل الاجتهاد وتعدد الآراء، وهناك مسائل أخرى تتجاوز حدود الاجتهاد، لأنها ترتبط مباشرة بأمن الدولة وسلامة مؤسساتها وحماية مالها العام.

والحسابات الحكومية واحدة من هذه المسائل

من واقع التجربة والممارسة المصرفية، أقولها بوضوح :

الحسابات الحكومية ليست مجرد حسابات مصرفية… إنها مسألة أمن قومي

فالمال العام ليس مالًا عاديًا، ولا يجوز أن يُعامل في النظام المصرفي بالطريقة نفسها التي تُعامل بها ودائع الأفراد والشركات – الدولة تحتاج إلى أن تعرف في كل لحظة

كم لديها من أموال؟

وأين توجد؟

ومن يديرها؟

وكيف تتحرك؟

ومن يملك سلطة التصرف فيها؟

وهذه ليست مجرد أسئلة محاسبية ؛ إنها أسئلة تتعلق بالسيادة المالية للدولة

القانون جعل بنك السودان بنك الحكومة ، الأمر في السودان ليس بحاجة إلى اجتهاد كبير، فالقانون وضع أساس العلاقة بوضوح فقانون بنك السودان المركزي لسنة 2002، المعدل حتى 2012، ينص في المادة 44 على أن :-:

((يكون البنك بنكاً للحكومة ومستشاراً ووكيلاً مالياً لها.))

ثم تأتي المادة 45 تحت عنوان (مسك حسابات الحكومة)، وتنص على أن :-

(تودع أموال الحكومة بالبنك.) ثم : (يقوم البنك باستلام أموال الحكومة ومسك حساباتها)

إذن نحن لا نتحدث عن عرف مصرفي أو وجهة نظر شخصية….نحن نتحدث عن نص قانوني صريح. فإذا كان بنك السودان هو بنك الحكومة، وإذا كان القانون ينص على أن أموال الحكومة تودع لديه وأنه يمسك حساباتها، فإن السؤال الطبيعي هو:

لماذا تُترك أموال الحكومة لتتوزع في حسابات لدى المصارف التجارية؟

والأهم: بنك السودان نفسه أصدر منشورًا حاسمًا

المسألة لا تقف عند نص القانون.

ففي 21 أبريل 2007 أصدر بنك السودان منشورًا بعنوان: (حسابات الوزارات والهيئات والشركات الحكومية.)

والمنشور كان واضحًا للغاية، إذ قرر:

(عدم فتح حسابات خاصة بالبنوك التجارية لأي وحدة أو مؤسسة أو شركة حكومية إلا بموافقة وزارة المالية والاقتصاد الوطني.)

ثم ختم بتوجيه واضح:(ممنوع لكافة البنوك).وهنا تصبح القضية أكثر وضوحًا.

فحتى عندما أُتيح استثناء فتح الحسابات في البنوك التجارية، لم يكن الأمر متروكًا للمصارف أو للوحدات الحكومية لتقرره من تلقاء نفسها، بل اشترط المنشور موافقة وزارة المالية.

إذن، لدينا:قانون يضع أموال الحكومة وحساباتها في إطار بنك السودان، ومنشور مصرفي يمنع فتح الحسابات الحكومية في البنوك التجارية إلا بموافقة محددة.

وهذا أساس قوي جدًا لإعادة النظر في الوضع القائم.

لماذا لا ينبغي أن تكون الودائع الحكومية في البنوك الخاصة؟

هنا ندخل إلى جوهر المسألة المصرفية.

الوديعة هي المادة الخام الأساسية للعمل المصرفي.

فالمصرف التجاري يقوم بجزء جوهري من نشاطه على جذب الودائع ثم توظيف موارده في التمويل والاستثمار وفق القواعد المصرفية.

وعندما تضع الدولة أموالها في مصرف تجاري، فإنها لا تقوم فقط بإيداع مالها في مكان آمن؛ بل إنها، من الناحية الاقتصادية، تمنح المصرف قاعدة ودائع مهمة يمكن أن يستخدمها في نشاطه المصرفي.(تسهيلات ودعم للمصرف !!)

وبالتالي، فإن إبقاء أرصدة حكومية كبيرة لدى مصرف تجاري يمكن أن يمثل للمصرف مصدر تمويل منخفض التكلفة أو بلا تكلفة في حالة الحسابات الجارية، بحسب طبيعة الحساب وشروطه.وهنا يبرز سؤال مشروع:

لماذا تمنح الدولة المصرف التجاري هذه الميزة بأموال عامة، بينما يوجد بنك مركزي أنشأه القانون أصلًا ليكون بنك الحكومة؟

إنها ليست مجرد مسألة أين نضع المال.إنها مسألة:

من يستفيد من المال العام أثناء وجوده في الحساب؟المال الحكومي ليس وديعة عادية

حين يضع المواطن أمواله في مصرف تجاري، فهو يختار مصرفه ويتحمل وفق العلاقة المصرفية العادية حقوقًا والتزامات ومخاطر محددة.أما الدولة فالوضع مختلف تمامًا.

أموال الدولة أموال عامة، وإدارتها يجب أن تخضع لأعلى درجات الشفافية والرقابة والتتبع.

وعندما تتوزع الأرصدة الحكومية بين عدد كبير من المصارف التجارية، يصبح من الضروري معرفة:

حجم كل رصيد.

الجهة صاحبة الحساب.

سبب وجود الحساب.

حركة الأموال داخله.

من يملك صلاحية السحب والتحويل.

الأرصدة الخاملة.

الفوائد أو العوائد إن وجدت.

الخدمات أو المزايا التي يحصل عليها المصرف مقابل هذه الأموال.

وكلما اتسعت شبكة الحسابات وتعددت المصارف والجهات، ازدادت الحاجة إلى الرقابة المركزية والتسوية والمطابقة المستمرة.وهذا هو عكس ما نحتاج إليه في إدارة المال العام.

وهنا يظهر باب خطير: استقطاب الحسابات الحكومية

من واقع الممارسة المصرفية، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الحساب الحكومي الكبير يمثل موردًا مصرفيًا مرغوبًا.

ولذلك فإن التنافس على استقطاب الأموال الحكومية قد يخلق حوافز وضغوطًا ومصالح متشابكة حول الأشخاص الذين يملكون قرار فتح الحساب أو نقله أو إبقاء الأرصدة فيه.

ولا يعني ذلك أن كل مسؤول أو مصرف يتعامل بهذه الطريقة، ولا يعني أن كل حساب حكومي في مصرف تجاري هو فساد.لكن تصميم النظام نفسه ينبغي ألا يفتح بابًا واسعًا للإغراء أو تضارب المصالح أو النفوذ الشخصي عندما يكون بالإمكان إغلاق هذا الباب مؤسسيًا.

وهنا تظهر قاعدة إدارية بسيطة:

إذا كان بالإمكان منع باب الفساد بالنظام، فلا ينبغي أن نكتفي بمراقبة الفساد بعد وقوعه.

وهذا تحديدًا هو معنى الحوكمة.

الدولة لا تحتاج إلى إعطاء المصارف الخاصة قوة مجانية

إذا كانت المصارف التجارية تبحث عن الودائع لتمويل نشاطها المصرفي، فهذا جزء طبيعي من عملها.لكن السؤال يصبح مختلفًا عندما تكون الوديعة مالًا عامًا.

فالدولة عندما تضع أموالها لدى المصرف التجاري، فإنها تزيد قاعدة موارده، وقد تمنحه قدرة أكبر على التوسع في نشاطه المصرفي.وبعبارة أبسط:

الدولة لا ينبغي أن تمول قوة المصارف التجارية بأموالها العامة دون ضرورة أو مقابل اقتصادي واضح.فالمال الحكومي يجب أن يوظف أولًا لخدمة الدولة وأهدافها المالية والنقدية، لا لزيادة قدرة هذا المصرف أو ذاك على توسيع أعماله.

لكن ماذا عن دور المصارف التجارية؟

لا أحد يقول إن المصارف التجارية يجب أن تُستبعد من التعامل مع الحكومة.

على العكس، يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا جدًا بصفتها وكلاء مصرفيين في:

تحصيل الإيرادات،

تنفيذ المدفوعات،

صرف المرتبات،

تقديم الخدمات الإلكترونية،

تنفيذ التحويلات،

وتقديم الخدمات المصرفية المختلفة للحكومة والمواطنين.

لكن هناك فرقًا جوهريًا بين:

أن تستخدم الحكومة المصارف التجارية لتنفيذ عملياتها،

وبين:أن تصبح أموال الحكومة نفسها ودائع مستقرة لدى المصارف التجارية.

الأول خدمة مصرفية.

أما الثاني فهو نقل موارد عامة إلى قاعدة تمويل مصرفية تجارية، وهو أمر ينبغي ألا يحدث إلا في أضيق الحدود ووفق ضوابط قانونية ومؤسسية واضحة.

التجربة الدولية تؤكد أهمية العلاقة المركزية

والسودان ليس استثناءً في كون البنك المركزي يؤدي وظيفة (بنك الحكومة).

ففي الهند، مثلًا، يحتفظ البنك الاحتياطي الهندي بالحسابات الرئيسية للحكومة المركزية، كما يحتفظ بحسابات حكومات الولايات ضمن منظومته، مع قيام مصارف وكيلة بتنفيذ بعض العمليات نيابة عنه.

وتشير بيانات البنك الاحتياطي الهندي كذلك إلى وجود ودائع حكومية مباشرة لديه، بما يؤكد مركزية العلاقة بين الحكومة والبنك المركزي.

المهم هنا ليس أن نقلد دولة بعينها حرفيًا، وإنما أن نفهم المبدأ:

المصارف التجارية يمكن أن تنفذ الأعمال المصرفية الحكومية، لكن المركز المؤسسي للحسابات والسيولة الحكومية يجب أن يكون واضحًا ومراقبًا مركزيًا.

السودان يحتاج إلى العودة إلى الأصل

إذا كان القانون يقول:

بنك السودان هو بنك الحكومة.

وإذا كان القانون يقول:

تودع أموال الحكومة بالبنك.

وإذا كان القانون يقول:

يقوم البنك بمسك حسابات الحكومة.

وإذا كان بنك السودان نفسه قد أصدر منشورًا يمنع فتح الحسابات الحكومية في البنوك التجارية إلا بموافقة وزارة المالية، فإن المطلوب اليوم ليس اختراع نظام جديد.

المطلوب هو مراجعة الواقع وإعادته إلى الإطار المؤسسي الذي رسمه القانون.

ويجب أن تكون هناك عملية حصر شاملة لكل الحسابات الحكومية الموجودة حاليًا في المصارف التجارية، ومعرفة أرصدتها وحركتها وأسباب وجودها، ثم إعادة تنظيمها وفق إطار موحد يخضع للرقابة المركزية.

الخلاصة: المال العام يحتاج إلى حصانة مؤسسية

من واقع التجربة والممارسة، أقولها بلا تردد:

الحسابات الحكومية مسألة أمن قومي.

لأن المال العام هو أحد عناصر قوة الدولة.

ولا ينبغي أن يكون هذا المال محل تنافس مصرفي، ولا وسيلة لاستقطاب المسؤولين، ولا مصدر تمويل مجاني أو منخفض التكلفة للمصارف التجارية، ولا أن يكون موزعًا بين حسابات متعددة تجعل الرقابة والتتبع أكثر صعوبة.

الدولة لديها بنك مركزي أنشأه القانون ليكون بنك الحكومة ومستشارها ووكيلها المالي.

فلماذا لا تكون أموال الحكومة في موضعها الطبيعي؟

في البنك المركزي.

أما المصارف التجارية، فلتقم بدورها الطبيعي:

مصارف تقدم الخدمة، لا خزائن بديلة لأموال الدولة.

إن إعادة الحسابات الحكومية إلى إطار مركزي واضح ليست مجرد عملية مصرفية.

إنها خطوة في اتجاه:

حماية المال العام،

إغلاق أبواب تضارب المصالح،

تقوية الرقابة،

تحسين إدارة السيولة،

وتعزيز قوة الدولة المالية والنقدية.

ولهذا أكرر:

الحسابات الحكومية ليست مسألة مصرفية عادية… الحسابات الحكومية مسألة أمن قومي.

وبصراحة اقتصادية، ومن واقع التجربة والممارسة:

إذا أردنا إصلاح الدولة، فعلينا أولًا أن نعرف أين يوجد مال الدولة، ومن يديره، ولصالح من يتحرك.

 

تقديم /

عبدالمنعم على التوم

الجمعة الموافق 18 سبتمبر 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى