عمق الكلام | عوض عمر الشائب | أنت لست وحدك

صوت الشارع
مقالات وكتاب
عمق الكلام | عوض عمر الشائب | أنت لست وحدك
عوض عمر الشائب
في زحام هذه الحياة وسرعتها المفرطة، قد تعصف بالإنسان لحظات غير متوقعة من العزلة العميقة وهي مرحلة تمر بها وكأنك تقف وحيدًا تمامًا على هذه الأرض، غريبًا في عالم مألوف، حيث يتلاشى الضجيج من حولك ولا يتبقى سوى صدى أنفاسك. إنها تلك اللحظات التي يشعر فيها المرء وكأنه انسلخ عن الجموع، ليواجه مصيره منفردًا في تلك البقعة المعتمة من العزلة، تجد نفسك في مواجهة شرسة ومستمرة مع أفكارك تقاتل مخاوفك التي تتضخم في صمت الليل وتتصارع مع همومك التي تبدو وكأنها جبال ثقال استقرت على صدرك تشعر وكأنك الناجي الوحيد في جزيرة نائية أو كأن الأرض قد خلت من ساكنيها وبقيت أنت وحدك تصارع عواصف عقلك هي حالة من التيه العاطفي والنفسي، حيث تبدو أبواب الأرض كلها موصدة، والمسافات بينك وبين الآخرين شاسعة
ولكن، في ذروة هذا الشعور القاسي، وبالرغم من ضراوة المعركة الداخلية، ينبثق يقين خفي وعميق يغير مجرى العتمة. إنه ذلك الإيمان الراسخ بأن ثمة خيطًا من نور متين يمتد من أعماق روحك ليربطك بالسماء. هذا الخيط ليس وهمًا يصنعه الخيال، بل هو حقيقة إيمانية تُعلق قلبك بالخالق، وتجعل من تلك العزلة خلوة آمنة بدلًا من أن تكون سجنًا موحشًا.
هذا الاتصال الروحاني هو طوق النجاة الحقيقي فهو يشدك بقوة ولطف في آنٍ واحد كلما ساءت الأحوال وكلما كادت قدماك أن تزل في مستنقع اليأس أو القلق.
وحين تشتد الخطوب، يهمس هذا الخيط النوراني في قلبك بحنان بالغ، ليخبرك بالحقيقة التي تغيب عن الأذهان في لحظات الضعف أنت لست وحدك يبدد هذا اليقين كل مشاعر الوحدة، ويذكرك بأن هناك عينًا لا تنام تحرسك، وعناية إلهية لطيفة تحفظك وترعاك في كل خطوة يخبرك أن الخالق الذي يدبر أمر الكون بأسره، يعتني بتفاصيل حزنك، ويسمع أنين صمتك، ويدبر لك من حيث لا تحتسب.
عمق آخر…
إن الشعور بالوحدة المطلقة ليس نهاية المطاف، بل قد يكون البداية الحقيقية لاكتشاف قوة الروح وتجديد العهد مع السماء حين تتكالب عليك الهموم وتشعر بأنك تقف وحيدًا في وجه العاصفة، تذكر ذلك الخيط النوراني. تمسك به، وارفع بصرك وقلبك إلى الأعلى، فمن امتد حبل رجائه إلى السماء، لم يكن يومًا على الأرض وحيدًا


