حين تسقط المدن | عثمان عربي

حين تسقط المدن | عثمان عربي
لم يكن سقوط الفاشر فجائيا كما توهم البعض بل كان يمشي نحونا بخطى وئيدة كظل يطول كلما مالت شمس الوطن إلى الغروب
كانت المدينة تتنفس بصعوبة منذ زمن والجدران تعرف ذلك
تعرف كيف تختبئ الحكايات خلف الشقوق وكيف تخفي الأرصفة دموعها كي لا تفسد هيبة الصمود
في الليلة الأخيرة كانت السماء أقرب إلى البكاء
والريح تمر على الشوارع كما تمر يد أم مرتجفة على وجه ابنها قبل الرحيل
لم يكن أحد يجرؤ على الكلام
فالمدينة تعرف مصيرها والناس يعرفون
لكنهم اختاروا الصمت صمتا يشبه الخيانة أحيانا ويشبه العجز دائما
سقطت المدينة لا بضجيج ولا بانفجار بل بهمس كئيب يوجع القلب
لم تصرخ… فقط أغلقت عينيها ببطء
كما تفعل الأرواح المتعبة حين يخذلها الزمن
لكن في الصمت بطولات لا ترى
هناك في قلب العاصفة وقفت الفرقة السادسة
كجدار من نار يرفض أن ينحني
مئتان وخمسة وستون محاولة اقتحام لم تفلح
وجسور الإمداد تفتح ذراعيها برا وجوا لتنفخ في تلك المليشيا روح الحياة يوما بعد يوم
كانوا يقاتلون بايمان لا يراه إلا الله
ينامون على الحصى ويستيقظون على هدير المدافع
يرسمون في كل طلقة ملامح وطن لا يريد أن يمحى
لم يكن فيهم من يسأل عن النهاية
كانوا يعرفون أنها قريبة لكنهم ظلوا يقاتلون كما لو أن الزمن كله يقف وراءهم
وفي اليوم الأخير حين نفد الهواء من الرئة وصار الحصار خانقا
لم يسقطوا خذلانا بل لأن التعب صار أكبر منهم
ولأن الأرض نفسها بكت حين رأتهم يرحلون
صباح المدينة الرمادية
مع الفجر حين انكسر الضوء على الأطلال
كان الصمت أثقل من الدخان
المدينة خانقة والهواء يحمل رائحة البارود والرماد
الطرقات خالية والأبواب المخلعة تترنح كأجساد أنهكها البكاء
جثث جنود ملقاة عند مدخل ضيق
علم نصفه في التراب ونصفه في الذاكرة
وبندقية على حجر كأنها تنتظر يدا لن تعود
الجنود الذين انسحبوا في الظلمة مروا من هنا
تركت أقدامهم آثارها في التراب كندبة من ضوء باهت
وفي عيونهم بريق غريب بريق من يعرف أن الشرف لم يهزم وإن سقط الجسد
وفي ركن من معسكرٍ كتب أحدهم بخط مرتجف على جدار مكسور
نحن لم نسقط… فقط أنهكنا الله كي يختبر من بعدنا
بقيت الكلمات رغم غبار المعارك
تحرس المكان كما تحرس الأرواح أبواب الذاكرة
وصية التراب
الآن بعد أن هدأ اغبار المعركة يقف الوطن أمام نفسه
وجهه متعب لكنه لم يفقد ملامحه
ينظر إلى المدينة التي رحلت
فيجد فيها صورة منه جريحا متماسكا ينهض رغم كل ما انكسر فيه
السقوط لم يكن نهاية بل مرآة
كشف لنا أن الخطر ليس في العدو بل في الغفلة
وأن الخيانة لا تقاس بما يقال بل بما يسكت عنه
أما أولئك الذين باعوا الحياد كأنه فضيلة
فقد تركوا الوطن يتهاوى بين أيديهم الباردة
صمود هكذا اسمها بدون مسمي لم تستح من ارتباكها
ولا من مواقفها التي تميل مع كفة الخارج
لكن التاريخ لا يرحم الذين يتفرجون
ورغم كل ذلك
يبقى في الرماد وعد
وعد أولئك الذين قاوموا حتى الرمق الأخير
أن الوطن سيعود
وأن النور وإن تأخر سيعرف طريقه….
يا وطني
قد تتعب المدن وقد تنكسر الأسوار
لكنّك لا تموت ما دام في صدرك جندي واحد يؤمن أنك تستحق الحياة
فلتكن هذه المدينة التي صمدت ثم سقطت
شاهدا لا على الهزيمة بل على الشرف
ولتبق الفرقة السادسة سطرا خالدا في كتاب الأرض
تقول للأجيال القادمة
ليس المهم أن تسقط… المهم أن تسقط واقفا…..
عثمان عربي

