جمال الرحيل | عثمان عربي

جمال الرحيل | عثمان عربي
ما من أحد مر على الدنيا دون أن يتغير صوته في داخله
يبدأ الحديث رقيقا كخرير الماء في السواقي
ثم يتكثف شيئًا فشيئًا
يصير الصمت فيه أعلى من الكلام
والكلمات فيه كأنها قيلت منذ قرون
ولا تزال تتردد لا تموت
في البدء يأنس الإنسان ببعض الامكنة
يظن أن العمل سيثمر
وأن العمل يعني الرحمة من الإفلاس والفقر
لكنّه يتعلم ولو بعد لأي
أن بعض الأماكن لا تمد يديها إلا لقياس المسافة
وتربك ادراكك
ثم تتكشف الأشياء بعدها…
لا دفعة واحدة
بل كما ينحسر الضباب عن المزارع في الصباح الباكر
تدريجيا
هادئا
ولكنه لا يخطئ طريقه
لا شيء يؤلم كالذي يغتال وقتك ويسبح في ترهات احلامك
يسمم تفكيرك
فتضحك لا لأنك فرح بل لأنك عرفت
والمعرفة حين تأتي متأخرة
تكون أبلغ من التعالي عليها
في تلك اللحظة لا يعود الإنسان بحاجة إلى صراخ
ولا حتى إلى ندم
فإن ماحدث لا يجدي معه الجدال
ولا يسترد مافقد من وقت وجهد ومال الذي تساقط كأوراق الأشجار في موسمها الأخير
ثم ماذا
لا شيء.
تجمع النفس من أطرافها كما يجمع الماء في الطشت
وتمضي لا متعاليا ولا منكسرا
بل كأنك أكملت ما كتب لك في هذا الموضع او في هذا المكان
وانتهى الأمر
التعب الحقيقي ليس من السفر
بل من المقام في غير محلك
من التوق إلى دفء لا يشبهك
من الانتظار الطويل لشيء لا يأتي
لكن في الرحيل جمال لا يعرفه إلا من جربه
جمال يشبه ماء باردا بعد عطش طويل
أو سكوتا يجيء بعد لغط لا يحتمل
ليس في الرحيل كبرياء بل حكمة
وليس فيه قسوة بل صفاء
من جرب الم الامكنة حتى آخره
يعرف أن التجلي لا يولد من الضحك
وأن النور لا يخرج إلا من قلب تهشم ورضي
فإذا رأيت أحدهم في مكان ينسحب بلا صوت
يمشي خفيفا كمن اكتشف خفة الروح
ويغلق الباب بلطف لا يشبه الفراق
فاعلم أنه أدرك
وقد لا يقول شيئًا بعدها أبدا
لكنه صار يعرف كل شيء.
عثمان عربي

