مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | مشروع سكر شمال غرب سنار لتحقيق الأمن الغذائي

صوت الشارع

مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | مشروع سكر شمال غرب سنار لتحقيق الأمن الغذائي

يُعد مشروع سكر شمال غرب سنار بولاية سنار واحداً من أهم مشاريع  صناعة السكر في السودان فهو مؤسسة اقتصادية قومية توافد إليها الناس من كل منطقه في السودان عمال وموظفين وسكان وتجار لقد حقق استقرار اقتصادي ممتاز في فترة الثمانينيات والتسعنيات والالفينات لأنه خطط بطريقة جيدة للمساهمة في التنمية القومية والمحلية وتوطين صناعة السكر في السودان من حيث التخطيط التنموي، والإدارة العامة، والسوق والطاقة والتمويل وقيام المؤسسات الخدمية التعليمية والصحية والشرطية وغيرها بصورة عامة.

فمنذ تأسيسه في سبعينيات القرن الماضي كان المشروع يسير بخطى جيدة وظل المشروع يتقدم ويتطور عاما بعد عام وحقق ما تريده الدولة في بناء اقتصاد صناعي وتوطين صناعة السكر في السودان.

قام مشروع سكر شمال غرب سنار في أراضى الأهالي الزراعية والرعوية وكان التعويض غير مجزي لهم ولكنهم ارتضوا قيام المشروع أملا في تطوير المنطقة وايجاد فرص عمل لأبناءهم كما أن فكرة المشروع كانت في عهد الرئيس نميرى للتطوير الزراعي والتصنيع حيث كان السودان ضمن الدول التى كانت حضور في مؤتمر روما للغذاء فاستعرضت امكانيات السودان الزراعية في المؤتمر وتم اعتماد السودان من ضمن الدول التى ستساهم في تحقيق الأمن الغذائي العالمي لذلك استعدت الحكومة السودانية ورفعت شعار  “السودان سلة غذاء العالم”، وضمنت صناعة السكر ضمن الخطة الإنتاجية و يكون السودان إكتفى من سلعة السكر بإنتاجه داخليا بدل إستيراده.

تم اختيار منطقة شمال غرب سنار لقيام المشروع للأسباب الآتية:.

١/ وقوع المنطقة بوسط السودان.

٢/ وجود خط السكك حديد.

٣/ وجود طريق مسفلت يربط كل مدن السودان سنار مدنى الخرطوم شمالا وشرقا و الدمازين جنوبا وشرقا وكوستى ربك غربا وجنوبا.

٤/ المنطقة خالية من أى نزاع قبلي لأن الأراضي مسجلة أى ملك بشهادة بحث نزعت لصالح العام مع التعويض.

٥/ توفر المياه من النيل الأزرق.

٦/ وجود التربة الطينية الخصبة التي تناسب زراعة القصب.

٧/ وجود العمالة الموسمية لوجود عدد من القرى.

* بدأ التنفيذ الفعلي للمشروع عام 1972م بالاستعانة بخبرات وشركات أوروبية وهندية لتصميم المصنع وتوريد خطوط الإنتاج وفق المعايير المطلوبة لزراعة قصب السكر وتصنيعه.

* بداية الإنتاج في موسم 1975 وأصبح ضمن مشاريع انتاج و صناعة السكر في السودان، إذ أصبح مصنع سكر شمال غرب سنار يحتل المركز الأول لسنوات بين المصانع المنتجه.

كان مشروع سكر شمال غرب سنار يسير بخطى ثابتة خلال عقد السبعينات و الثمانينيات والتسعنيات والالفنيات وحقق انتاج عالي تجاوز 150 ألف طن سنوياً.

* أحدث المشروع تحولاً اقتصادياً واجتماعياً عميقاً في المنطقة وفي القرى التي تتبع له حيث يعمل الرجال والشباب والنساء في المشروع مما انعكس ايجابا على استقرار المنطقة وأصبحت منطقة خدمات وتجارة وصناعة وتعليم وصحة.

* بدأ المشروع في التراجع في منتصف الالفينات قلت المساحات المزروعة وبالتالي قل انتاج السكر بسبب عدم الصيانة الدورية وتجديد الآليات، بدأت الماكينات تتعطل بصورة مستمرة بسبب الحصار الاقتصادي على البلاد وأصبحت تكلفة الصيانة عالية وعدم توفر قطع الغيار في وقتها في ظل انهيار الجنيه السوداني مقابل الدولار. وبالتالي بدأ المشروع في التراجع وتعدد الأزمات المتكررة في الري نتيجة عدم تطهير القنوات وتراكم الطمي و تعطل الطلمبات مما أدى إلى انخفاض إنتاجية القصب بصورة مباشرة مما قلل انتاج السكر الذي وصل في إحدى المواسم 70 الف طن فقط.

الأزمة كانت فنية في مشروع سكر شمال غرب سنار بالإضافة إلى التقصير الإداري والتمويل.

دائما ما يشتكي العاملين من تأخر المستحقات بما فيهم الذين نزلوا المعاش لم تساوى حقوقهم أثر على الاستقرار والإنتاج.

ارتفاع تكلفة الإنتاج من الطاقة والوقود والمدخلات الزراعية إلى مستويات عالية جعلت تكلفة إنتاج طن السكر المحلي أعلى من السكر المستورد أى الدولة لم تقم بحماية انتاج السكر في السودان مما أدى لانهيار صناعته في المقابل كان السكر الهندي والبرازيلي أقل سعرا وأكثر جودة من السكر المحلي.

لقد انهار مشروع سكر شمال غرب بالكامل لم يستطيع المحافظة على بقائه رغم أهميته الاجتماعية والاقتصادية في ولاية سنار حيث يعتمد عليه سكان المنطقة والوافدين كعمال بصورة مباشرة.

لم تكن هنالك محاولات جادة من الدولة لانقاذ المشروع من الانهيار بإعادة التأهيل للمزارع و الطواحين والغلايات، إلى جانب التوجه نحو الاستفادة من المنتجات الثانوية مثل “المولاس” و”البقاس” لإنتاج الطاقة والأعلاف ورفع القيمة المضافة.

* لجأت إدارة المشروع إلى الدخول في شراكة مع مالكي الحواشات في مشروع الجزيرة تفتيش منطقة ود الحداد بزراعتها بقصب السكر بنفس الطريقة التى يعمل بها مشروع سكر الجنيد ولكنها أيضا فشلت.

* الآن لجأت إدارة مشروع سكر شمال غرب سنار بعد انهيار المشروع ودماره من قبل الجنجويد حيث ظل محل ارتكاز لمليشيا الدعم السريع مما عرضه للنهب والدمار الشامل حيث كانت المنطقة بأسرها مسرح للعمليات لجأت إلى استئجار حواشات المشروع للمواطنين مقابل 150 الف جنيه للفدان وأصبح يزرع المواطنين محاصيل متنوعة وبالتالي فإن مستقبل سكر  شمال غرب سنار يحتاج لتعريف جديد واتوقع أن يصبح أحد مشاريع تحقيق الأمن الغذائي في السودان ولا يرتبط فقط بإنتاج السكر، بل بإعادة تعريف المشروع لإنتاج الغذاء المتنوع مع توفر صناعات متكاملة للمنتجات الزراعية للاستهلاك المحلي والصادر، فالعالم اليوم يحتاج للغذاء الطبيعى وهذا لا يتوفر إلا في السودان فصناعة السكر أصبح العالم لا يهتم بها لأن استخدام السكر في حد ذاته مرض. لذلك فإن إنقاذ مشروع سكر شمال غرب سنار يتطلب رؤية جديدة  تتجاوز المعالجات الإسعافية إلى إعادة تعريف المشروع من جديد كوحدة إنتاجية متكاملة تقوم على شراكات استثمارية ذكية مع الشركات والمواطنين، وتحديث شامل لنظم الري والطاقة، وإدارة احترافية تعتمد على الكفاءة الاقتصادية لا البيروقراطية التقليدية. فالمشروع قد فقد كل آليات إنتاج السكر وبالتالي يصلح لتأمين الغذاء في السودان.

أنا دكتور زراعي ضل طريقه إلى عالم السياسة الكذوب.

مشروع سكر شمال غرب سنار أصبح لا يصلح لزراعة قصب السكر وصناعته بل يصلح لتحقيق الأمن الغذائي.

دكينيات(١٧٨٣)٢٠٢٦/٥/١٣م.

دكتور عصام دكين

———————————————

سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين دكتور عصام دكين

عصام دكين

أنا دكتور زراعي ضل طريقه إلى عالم السياسة الكذوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى