مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | النظرية الإسلامية في حقوق الإنسان الشرعية مقارنة بالتصورات العلمانية (3)

صوت الشارع

مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | النظرية الإسلامية في حقوق الإنسان الشرعية مقارنة بالتصورات العلمانية (3)

دكينيات (2104)
النظرية الإسلامية في حقوق الإنسان الشرعية مقارنة بالتصورات العلمانية (3)
بقلم: د. عصام دكين
29 أكتوبر 2026م
تمهيد
يقدّم الإسلام منظوراً متكاملاً لحقوق الإنسان، ينطلق من أصل عقدي ثابت، يتمثل في تكريم الله تعالى للإنسان واستخلافه في الأرض، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. ويستند هذا المنظور إلى مرجعية شرعية تحدد الحقوق والواجبات، وتربطها بمقاصد الشريعة وأحكامها، ضمن تصور شامل لحياة الإنسان وعلاقته بخالقه ومجتمعه.
ويختلف التصور الإسلامي، من حيث المرجعية والتأسيس، عن التصورات العلمانية لحقوق الإنسان التي تستند إلى أطر فلسفية وقانونية متعددة، تشمل الحقوق الطبيعية والمواطنة والمواثيق الدولية. ففي حين يستمد التصور الإسلامي أصوله من الوحي والشريعة، تستند التصورات العلمانية إلى اجتهادات بشرية ومبادئ قانونية تتطور بتطور المجتمعات، مع اختلاف تطبيقاتها من دولة إلى أخرى.
كما يقدم الإسلام تصوراً واقعياً لحقوق الإنسان، يراعي الفطرة الإنسانية، ويجمع بين ثبات الأصول الشرعية وتجدّد الاجتهاد والتطبيق في ضوء المتغيرات، بما يحقق العدل ويحفظ كرامة الإنسان ويصون مصالح الفرد والمجتمع.
أولاً: الحقوق الشخصية وضماناتها
أقرّ الإسلام جملة من الحقوق الشخصية التي تستهدف صيانة كرامة الإنسان وحماية خصوصيته وبدنه وماله، ورعاية شؤون الأفراد والجماعة. ومن أبرز هذه الحقوق تحريم التجسس، وصيانة حرمة البيوت، ومنع الاعتداء على النفس أو المال بغير حق.
وقد قررت الشريعة حرمة المساكن، ونهت عن دخول بيوت الآخرين دون إذن أهلها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النور: 27].
كما نهى القرآن الكريم عن التجسس، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]، بما يؤكد أهمية حماية الحياة الخاصة وصون العلاقات الاجتماعية من التدخل غير المشروع.
ويتضح من هذه الأحكام أن الشريعة الإسلامية أرست أصولاً لحماية الحقوق الشخصية، وربطت صيانتها بالوازع الديني والالتزام الأخلاقي، إلى جانب الأحكام والضمانات القانونية التي تتولى المؤسسات المختصة تطبيقها. وتقوم هذه الحماية على مبدأ أساسي، هو أن كرامة الإنسان وحقوقه ليستا مجرد منحة من السلطة، بل ترتبطان بأحكام شرعية تضبط سلطة الحاكم وتصون مصالح الأفراد.
ثانياً: الحقوق السياسية بين المناصحة والمعارضة
ينطلق التصور الإسلامي للحقوق السياسية من جملة من المبادئ، في مقدمتها الشورى، والمناصحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومساءلة أصحاب السلطة عن أعمالهم. وتؤكد هذه المبادئ أن الشأن العام ليس مجالاً منفصلاً عن المسؤولية الأخلاقية والشرعية، بل هو أمانة تستوجب الرقابة والمحاسبة وتحمل المسؤولية الفردية والجماعية.
ويستند هذا التصور إلى قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]، وإلى قوله سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104].
ومن هذا المنطلق، لا تقتصر المسؤولية السياسية في الإسلام على مجرد امتلاك حق الاعتراض على قرارات السلطة، بل تشمل واجب النصح، والمساهمة في إصلاح الشأن العام، ومقاومة الظلم والانحراف، وفق الضوابط الشرعية التي تحفظ الحقوق وتراعي المصالح العامة.
وفي المقابل، تطورت التصورات الليبرالية والعلمانية للحقوق السياسية في سياقات تاريخية وفلسفية متعددة، وأكدت، بدرجات متفاوتة، حرية التعبير والتنظيم السياسي والمعارضة وتداول السلطة والمشاركة في إدارة الشأن العام. ويبرز الاختلاف بين التصورين، في هذا السياق، في المرجعية التي تحدد الحقوق والواجبات، وفي العلاقة بين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية.
ففي التصور الإسلامي، ترتبط الحقوق السياسية بالواجبات الشرعية والأخلاقية، ولا تنفصل المشاركة في الشأن العام عن مسؤولية الإصلاح والنصح والمحاسبة. أما في كثير من النظم الليبرالية، فتُطرح المشاركة السياسية أساساً باعتبارها حقاً مدنياً وسياسياً تكفله القوانين، مع اختلاف نطاق الواجبات المرتبطة بها من نظام إلى آخر.
وبناءً على ذلك، يقوم التصور الإسلامي للمسؤولية السياسية على ركيزتين أساسيتين:
الطاعة في المعروف: بما يحفظ النظام العام ووحدة المجتمع، مع التأكيد أن الطاعة لا تكون في المعصية؛ فقد قال النبي ﷺ: «إنما الطاعة في المعروف» (متفق عليه).
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمناصحة والمحاسبة: بما يتيح للأفراد والجماعات الإسهام في تصحيح الانحرافات، ومساءلة الحكام، والدعوة إلى الإصلاح، وفق الضوابط الشرعية ومراعاة المآلات والمصالح العامة.
أما مسألة الامتناع عن طاعة الحاكم أو الخروج عليه، فقد تناولها الفقه الإسلامي ضمن أحكام وشروط دقيقة، ولا يصح اختزالها في مجرد وجود خلاف سياسي أو مخالفة في الاجتهاد. وقد ورد في الحديث النبوي ذكر الكفر البواح الذي يقوم عليه برهان، ضمن سياق أحكام منازعة الأمر، وهو ما يستلزم الرجوع إلى النصوص الشرعية وشروح العلماء عند بحث هذه المسألة، مع مراعاة ما قررته الشريعة من اعتبار المصالح والمفاسد.
وتتعدد ضمانات الحقوق السياسية في التصور الإسلامي، ومن أبرزها دور العلماء وأهل الرأي والجماعات والأفراد في النصح والإصلاح، والدعوة إلى الخير، ومحاسبة المسؤولين، وتوعية المجتمع بقضاياه السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما تشمل نشر المعرفة وتعزيز الوعي العام، بما يمكّن أفراد المجتمع من تحمل مسؤولياتهم في عمارة الأرض وتحقيق العدل ورعاية المصالح المشتركة.
وعليه، فإن الحقوق السياسية في التصور الإسلامي لا تُفهم بمعزل عن منظومة الواجبات والمسؤوليات، بل تتكامل معها في إطار يهدف إلى إقامة العدل، وصيانة الحقوق، ومنع الاستبداد، وتحقيق الصالح العام.
ثالثاً: الحقوق التعبدية وحرية التدين
تُبنى الحقوق التعبدية في الإسلام على أصول شرعية تجمع بين حرية الاعتقاد، وعدم الإكراه في الدين، وحماية المجتمع الديني، وتنظيم شؤون العبادة وفق أحكام الشريعة. ويختلف هذا التصور عن بعض التصورات العلمانية لحرية الدين، من حيث المرجعية الفلسفية والقانونية، وموقع الدين في الحياة العامة، والعلاقة بين الاعتقاد الفردي والنظام السياسي والاجتماعي.
ولا يصح اختزال التصورات العلمانية جميعها في اعتبار الدين علاقة روحية خاصة لا صلة لها بالشأن العام؛ إذ تتباين النظم العلمانية في تنظيم العلاقة بين الدين والدولة، وفي مدى حضور الدين في المجال العام، وفي الضمانات القانونية المقررة لحرية الاعتقاد والممارسة الدينية.
أما في الإسلام، فيمثل الدين إطاراً مرجعياً شاملاً للحياة، وتندرج العبادات والمعاملات والعلاقات الاجتماعية والسياسية ضمن منظومة الشريعة، مع التمييز بين الأحكام القطعية والمسائل الاجتهادية، وبين واجبات الدولة وحقوق الأفراد.
ويقوم هذا التصور على جملة من الأصول، من أبرزها:
عدم الإكراه في الدين: فقد قرر القرآن الكريم هذا المبدأ بقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، وهو أصل مهم في بيان أن الاعتقاد لا يتحقق بالإجبار، وأن الإيمان يرتبط بالقناعة والاختيار.
مسؤولية الدولة عن حماية النظام الديني وفق أحكام الشريعة: ويشمل ذلك رعاية المؤسسات والشعائر الدينية، وحماية الحقوق، وتنظيم الشأن العام في إطار المرجعية الشرعية، مع مراعاة الضوابط التي تحكم ممارسة السلطة.
احترام الاجتهاد المعتبر: إذ يقتضي التعامل مع الاختلافات الفقهية والعقدية التمييز بين المسائل القطعية والمسائل الاجتهادية، وعدم تحويل كل خلاف إلى مبرر للإكراه أو التضييق، مع الرجوع إلى أهل العلم والاختصاص في القضايا التي تستلزم النظر الشرعي المتخصص.
وقد حددت الشريعة للدولة مسؤوليات تتصل بحماية الدين ورعاية شؤون المجتمع، غير أن ممارسة هذه المسؤوليات تظل محكومة بأحكام الشرع وضوابط العدل وحقوق الأفراد. ولا يجوز التسوية بين الاجتهادات المختلف فيها وبين المسائل القطعية، كما لا يصح اتخاذ مجرد الاختلاف الفكري أو الفقهي ذريعة للإكراه أو الاعتداء على الحقوق.
ومن ثم، فإن البحث في حدود تدخل الدولة في الشؤون الاعتقادية والتعبدية يستلزم دراسة النصوص الشرعية، ومقاصدها، واجتهادات الفقهاء، وطبيعة المسألة محل النظر، مع التمييز بين الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وبين الإكراه الذي يناقض أصل عدم الإكراه في الدين.
وبهذا، تتحدد الحقوق التعبدية في التصور الإسلامي ضمن علاقة متكاملة بين الاعتقاد والعبادة والمسؤولية الاجتماعية، مع ضرورة ضبط سلطة الدولة بالمرجعية الشرعية، وصيانة كرامة الإنسان، ومراعاة الأحكام المتعلقة بحقوق المسلمين وغير المسلمين.
خاتمة
يتضح مما سبق أن التصور الإسلامي لحقوق الإنسان يستند إلى مرجعية عقدية وتشريعية تجعل كرامة الإنسان وصيانة حقوقه جزءاً من منظومة متكاملة من الأحكام والمبادئ والواجبات. فهو يجمع بين الحقوق الشخصية وضماناتها، والحقوق السياسية ومسؤوليات المشاركة والمحاسبة، والحقوق التعبدية وما يرتبط بها من أحكام الاعتقاد والعبادة وتنظيم الشأن العام.
وتكمن أهمية هذا التصور في أنه لا يعزل الحقوق عن المسؤولية، ولا يفصل الحرية عن مقتضيات العدل، بل يربطها بمنظومة أخلاقية وتشريعية تستهدف حفظ مصالح الفرد والمجتمع. وفي المقابل، تظل المقارنة العلمية مع التصورات العلمانية محتاجة إلى التمييز بين المدارس الفلسفية والنظم القانونية المختلفة، بعيداً عن التعميم أو الاختزال.
إن بناء مجتمع قادر على صيانة الحقوق وتحقيق العدل يستلزم تحويل المبادئ إلى مؤسسات وضمانات وممارسات عادلة، وإقامة العلاقات السياسية والاجتماعية على احترام الكرامة الإنسانية، وسيادة القانون، والمساءلة، وحماية الحقوق من التعسف. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية دراسة أحكام الشريعة ومقاصدها، وتفعيل الاجتهاد المسؤول في معالجة قضايا الإنسان والمجتمع، بما يحقق التوازن بين ثوابت المرجعية الشرعية ومتطلبات الواقع المتجدد.
د. عصام دكين

عصام دكين

أنا دكتور زراعي ضل طريقه إلى عالم السياسة الكذوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى