مقالات وكتاب

محطات باقية   |   العودة الي الوطن   |    عثمان عربي

محطات باقية   |   العودة الي الوطن   |    عثمان عربي

 

لم نكن نعود فقط كأجساد تحمل جوازات مختومة

كنا وطنا صغيرا يسير فوق الماء

فيه من كل مدينة ظل ومن كل حارة ذكرى ومن كل وداع غصة

على سطح الباخرة اجتمعنا نحن الثمانمئة وبعض اصحاب في الغرفة

كأن الغربة نسيت أن تفرّق بيننا

فصار بكري يشبه المحسي في انكفاء الحنين على عينيه

وصار خالد يضحك بصوت عبد الماجد

وزاكي الدين الذي لم يكن يتكلم كثيرا

كان يحمل في سكوته كل وجع الجزيرة وأملها

لم نكن نعرف بعضنا من قبل

لكن في تلك الليلة الأولى على البحر

سقطت الحواجز كما يسقط القمح في طاحون المحبة

ولم نعد نسأل من أنت

بل قلنا من أي جزء في جئت

قصي، مثلًا جاء من أقصى الشوق

يحمل في قلبه تمتمات أمه حين كانت تدعو له آخر الليل

أما عبد الماجد فكان يسير في الممرات كأنه يحفظ شكل البلاد على جلده

كل زاوية فيه تشير إلى منزل أو حقل أو ضحكة

المحسي

هو ذاكرة

ذاكرة تمشي على قدمين

يحكي عن السودان كأنّه يتلو سورة من كتاب قديم

كل كلماته تنتهي بـ وكان الزمان أجمل

ولما لعبنا النيدو لم تكن لعبة

بل كانت استراحة جندي من معركة الروح

وفي كل ورقة نقلبها كنّا نخلع شوكة غربة زرعت في قلوبنا

وحين رسونا في سواكن

لم نركض نحو الفنادق أولًا بل نحو السوق

نحو الروائح التي تختصر الوطن في رائحة شية

وفي لون طماطم مهروسة

وفي بخار فول يغلي كأنه يغني أغنية بلدنا

أكلنا الشية والكبد والفول في سوق سواكن

لا جوعا…

بل لما فينا من أمل للغد

لما تبقى فينا من وطن لم تطفئه الغربة

ولا أنهكته الحرب

جلسنا على الطاولات الخشبية الصغيرة

تحت ظل الزنك المائل

وبين أصوات الباعة وروائح الحطب

كأننا جلسنا في حضرة أم قديمة

تمد لنا صحنا فيه من البركة أكثر مما فيه من الطعام

كل لقمة كأنها تمسح عاما من الفقد

وكل ضحكة كأنها تخرِجنا من حزن نبيت فيه لسنوات

لكن حتى في الفرح

كنا نلتفت بين اللقمة والضحكة

نتلفت بحثا عن الذين عادوا معنا في الذاكرة لكنهم غابوا عن الطاولة

العودة لم تكن كاملة

أكلت الغربة منا أحبابا كثيرين

رحلوا قبل أن يلمسوا تراب الوطن من جديد.

جلسنا في سواكن

وتركنا أماكن فارغة على الطاولة

لمن كان يجب أن يكون ولم يكن

في سواكن حيث تمتزج رائحة البحر بالدخان

وفي سوقها حيث الطعم يشبه ذاكرة الأمهات

استقبلنا الوطن بطبق شهي … لكنه كان أكبر من الوليمة

كان دليلا على أننا عدنا وعلى أن بعض منا لم يرجع لكنه معنا

وتفرقنا بعد ذلك…

منا من ذهب إلى الدبة

يحمل معه حلما كان قد دفن مع أبيه قبل سنين

ومنا من سار نحو الكريمة

ليزرع وردا في بيت قديم أغلق بابه طويلا

آخرون مضوا نحو الياقير نحو المناقل نحو الحوش

وكلهم كانوا يحملون الوطن في صدورهم لا في حقائبهم

كأن الباخرة لم تكن نهاية الرحلة بل بدايتها

كل واحد صار رسولا

يحمل بشارة

لقد رأيت السودان حيا… لا تصدقوا الأخبار صدقوا قلوبكم.

كانت العودة ولادة ثانية

رجوع من موت رمزي إلى حياة تملؤها الأصوات التي نحبها

الروائح الوجوه التراب

وحتى وجع الحرب… بدا وكأنه أنين من صدر أم لا زالت تحضننا رغم الكسور

عدنا وكل فينا صار بلدا

بلدا فيه سواكن والنيل والحوش والفول والأمهات والقصائد

بلدا يعرف أن الحرب ليست نهاية

بل نداء داخلي

ارجعوا… فإن الوطن لا يحتمل الغياب أكثر

 

عثمان عربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى