العودة …الاشواق المؤجلة ( 2 ) | عثمان عربي

العودة …الاشواق المؤجلة ( 2 ) | عثمان عربي
ليست العودة هي أن تضع قدمك على اليابسة
العودة الحقيقية تبدأ حين ينظر إليك وجه البلاد دون أن يندهش
كأنك لم تغب
كأنك كنت هناك
في الفاصل الذي لا يرى
بين حلم نائم وحقيقة تتنفس
مضى عامين الا قليلا
كان يمكن أن أعدها بالأيام
لكنني فضلت أن أعدها بالأشواق المؤجلة
كل فجر لم يسمع فيه صوت الأذان من مسجد الحي
كل مغرب لم أتناول فيه الشاي على سطح شقتي
كل موت لم أحضره
وكل حياة لم أشارك فيها
عدت
ومعي قائمة طويلة من الأسئلة
ماذا سأجد
هل سأُقابلهم في الطرقات
هل ستبقى الشوارع على حالها
وهل البلاد تنتظر كما ننتظر
لكنني وجدت شيئًا آخر
وجدت أن الغياب لا يقاس بطول الزمن
بل بما يتركه فيك
نعم وجدت الملاريا
كانت في العيون لا في الدم.
عيون متعبة تضحك وأنت تعرف أن خلفها سهرا وحرارة لا تنام
وجدت الضنك
لكنه ليس ذلك الذي في الحمى
بل ضنك في الروح
ضيق في الأمل
وابتسامات مشروطة بالكهرباء والماء
وجدت الحميات
لكنها لم تكن في المستشفيات
بل في الأحاديث
في الأخبار
في الأسعار التي ترتفع بلا سبب
وفي الدعوات التي لا تقال إلا آخر الليل
يا رب الطف بينا..
لكنني وجدت أيضا ما يتجاوز ذلك…
وجدت أن البلاد رغم وجعها
ما زالت تنجب من يعرفون الله من فرط الحوجة
ويحبونه من شدة الضيق
وجدت نساء لا يهابن الحياة وان شقت
ورجالًا ما زالوا يضحكون في وجه الحياة كأنهم يفاوضونها
وأطفالا يحملون الكتب إلى المدارس
كأنهم يذهبون بها إلى المستقبل رغم الحواجز
وجدت أن بعض الأرواح وإن غابت
تركت أثرها على الجدران
في الذكري
وفي صحن العصيدة
وفي الظل الذي لم يغادر رغم غياب الجسد
العودة ليست لحظة
بل مقام
الواصل لا يعود إلى المكان
بل يعود إلى معناه
إلى نفسه كما كانت قبل التبعثر
البلاد متعبة نعم
لكنها تمنحك لغة جديدة للصبر
تقول لك دون أن تنطق
إن استطعت أن تحبني وأنا على هذه الحال
فأنت ابني حقّا
وابني الذي يعود لا يسأل عن الزينة
بل يسأل هل بقي فيك شيء لأُحبه
وأنا
وجدت أنني لم أعد كما كنت
كنت أحمل في الخارج صورة للوطن…
فلما عدت وجدتني داخل الصورة
كل شيء هنا يعلمني
حتى الحمى
حتى الانتظار في صف الأمل
حتى ضوء الفجر حين يلمس وجهي من نافذة معتمه بلا زجاج ..مليئة بالكراكيب واصناف الصناديق
أجل
عدت مرتبكا قليلًا
منهكا..عودت بطني غلي قلة الطعام ولكني لبست مئذر التوكل
لكني عدت ممتلئا بحقيقة لا تدرس في الجامعات
أن الحب لا يقاس بالراحة
بل بالبقاء
فيا أمي… ويا عمر… ويا بكري
يا من غبتم عن التراب
وتركتم لي البلاد أمانة في قلبي
أبشركم
ما زالت بلادنا تتلو على الناس سورة الصبر
وما زالت تصوم عن الأمل
لكنها تفطر على قلوبنا حين نعود
عثمان عربي


