التدمير الخلاق | عثمان عربي

التدمير الخلاق
ليس كل هدم عيبا ولا كل سقوط نهاية
فثمة هدم يشبه الفجر ينهي الظلام لا ليلعنه بل ليعلن ضوءا جديدا
يسمونه في الاقتصاد التدمير الخلاق
أن تهدم فكرة أو أداة أو نظام لا لأنك تكرهه بل لأنك أدركت أن ما بعده أوسع أنفع أذكى
أن تطوى صفحة لا لأنها خطأ بل لأنها انتهت ولأن الانسان صار مستعدا لفصل آخر
هو منطق لا يعادي الماضي بل يحترمه بما يكفي ليتجاوزه
فيه لا تمحى المدن بل تعاد صياغة خرائطها
لا تكسر الأبواب بل تستبدل بنوافذ أطول نحو الشمس
لا يقصى الإنسان بل يعاد تشكيل الأدوات من حوله ليستحق أكثر
هذا ما يحتفى به حين تمنح جائزة نوبل للاقتصاد لفكرة قديمة جديدة اسمها التدمير الخلاق تعيد ترتيب علاقة العالم بنفسه
أن الهدم حين يقاد بالمعرفة قد يكون أعلى أشكال الرحمة بالتاريخ والمستقبل معا
لكن على الضفة الأخرى من هذا العالم
في بلاد تفيض شمسا وتفيض نزيفا
ثمّة هدم آخر بجري علي قدم وساق لا يعرف الخلق ولا يطلب الضوء.
هنا لا يهدم القديم ليبنى الجديد بل يهدم كل شيء.
العمران والوجدان والماء والكهرباء وحتي اللغة
لا أحد يفتش عن أداة أفضل بل عن غلبة أطول
لا أحد يزيل المعرقلات بل يزيح الناس
هذا ليس تدميرا خلاقا بل تدمير الذات للذات
لا لأن البدائل جاهزة بل لأن الكراهية تسبق الفكرة
في السودان وفي أمثاله من جراح القارة
الهدم لا يقود إلى ابتكار بل إلى فراغ
فراغ تذوب فيه الدولة وتتحول الكهرباء إلى خيط من الدعاء
ويصبح التعليم مشروعا للمنفى
والزراعة سجينة لبرميل وقود
والشباب لا يملكون زمنا للتفكير لأن النجاة تسبق الحلم
الفرق
أن هناك من يهدم ليعيد ترتيب الحياة
وهنا… نهدم الحياة نفسها ثم نطالبها أن تبقى
ومع ذلك لا زال فينا ما يكفي من وعي لنعيد تعريف الأشياء
أن نعيد للهدم معناه وللعقل مكانه
أن نكف عن قتل الفكرة قبل أن تولد
وأن نصغي ولو متأخرين لصوت العالم وهو يقول لا أحد ينجو من الحرب حتى المنتصر
فليكن هذا إذا زمنا جديدا
لا نخجل فيه من البناء ولا نخاف من التجديد
ولا نتعامل مع التقدم كخيانة للماضي
بل كامتداد له ووفاء حقيقي لما أراده الأوائل
الهدم ليس عدوا… إن عرفنا كيف نخلق بعده حياة للمستقبل ….
عثمان عربي

