مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | المواطن شريك في السلطة وليس مجرد محكوم…

صوت الشارع

مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | المواطن شريك في السلطة وليس مجرد محكوم…

دكينيات(1119)

العلمانية السودانية | Secularism Made in Sudan
الحقوق السياسية
المواطن شريك في السلطة وليس مجرد محكوم…

دكتور عصام دكين

تمثل الحقوق السياسية أحد أهم المؤشرات التي تكشف طبيعة النظام السياسي، ومدى احترامه للمواطن باعتباره شريكاً في إدارة الدولة.
فالدولة الحديثة لا تقوم فقط على وجود مؤسسات إدارية وأجهزة تنفيذية، بل تحتاج إلى مواطنين قادرين على المشاركة في اتخاذ القرار، ومراقبة أداء السلطة، والتعبير عن تطلعاتهم ومصالحهم.
أولاً: مفهوم الحقوق السياسية
تشمل الحقوق السياسية حق المشاركة في الشأن العام، وحرية التعبير والتنظيم، والمشاركة في الانتخابات، وتكوين الأحزاب والجمعيات، والترشح وتولي الوظائف العامة وفق شروط قانونية عادلة.
وتتيح هذه الحقوق للمواطن الانتقال من موقع المتلقي للقرارات إلى موقع المشارك في صنعها.
ثانياً: الحقوق السياسية في التصور الإسلامي
ارتبطت الحقوق السياسية في الفكر الإسلامي بمفاهيم الشورى والعدل والنصيحة ومحاسبة الحاكم والمسؤولية العامة.
ويقول الله تعالى:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38].
كما يقول:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159].
وقد شكلت هذه المبادئ أساساً لنقاشات فقهية وسياسية حول المشاركة والمساءلة وحدود سلطة الحاكم.
لكن الفكر السياسي الإسلامي عرف اجتهادات متعددة في تحديد طبيعة الشورى، ومدى إلزاميتها، وآليات اختيار الحاكم ومحاسبته.
ومن ثم فإن الانتقال إلى الدولة الدستورية المعاصرة يقتضي دراسة كيفية تحويل هذه القيم إلى مؤسسات وقواعد قانونية واضحة.
ثالثاً: الحقوق السياسية في الفكر الديمقراطي
تقوم الديمقراطية الدستورية على مبدأ أن السلطة العامة تستمد شرعيتها من المواطنين، وأن تداول الحكم والمساءلة والانتخابات وحرية التنظيم من الضمانات الأساسية للحياة السياسية.
ولا تعني الديمقراطية مجرد إجراء الانتخابات، بل تتطلب وجود ضمانات لحماية المعارضة والأقليات وحرية الصحافة واستقلال القضاء.
رابعاً: العلاقة بين الدين والدولة
تظهر الإشكالية عندما تصبح الحقوق السياسية مرتبطة بتفسير ديني تحتكره جماعة بعينها.
فإذا احتكرت جماعة حق الحديث باسم الدين، فقد يؤدي ذلك إلى إضعاف فرص المشاركة المتساوية للمواطنين الذين لا يشاركونها تفسيرها أو معتقدها.
وهنا ينبغي التمييز بين حق الجماعات الدينية في المشاركة السياسية، وهو حق أصيل، وبين احتكار الدولة أو السلطة باسم جماعة دينية واحدة.
كيف نبني السودان لكي يسع الجميع؟
يحتاج السودان إلى نظام سياسي يضمن مشاركة جميع المواطنين في الحياة العامة دون تمييز.
ويشمل ذلك:
حرية تكوين الأحزاب والتنظيمات.
ضمان الانتخابات الحرة والنزيهة.
حماية المعارضة السياسية.
استقلال القضاء.
حرية الصحافة والتعبير.
تداول السلطة سلمياً.
المساواة في فرص تولي المناصب العامة.
إن الدولة التي تسع الجميع لا تطلب من المواطن أن يتخلى عن معتقده حتى يشارك في السياسة، ولا تسمح لجماعة واحدة باحتكار المجال العام.
الحقوق السياسية ليست ترفاً ديمقراطياً، بل هي وسيلة لحماية المجتمع من احتكار السلطة.
والمواطن الذي لا يستطيع محاسبة حاكمه، أو الاعتراض على قراراته، أو المشاركة في اختيار مستقبله، تظل مواطنته ناقصة من الناحية السياسية.
السودان يحتاج إلى دولة يكون فيها الشعب مصدر المشاركة والرقابة، وتكون فيها السلطة وظيفة عامة خاضعة للمحاسبة.
الحرية السياسية الغربية وحق إبداء الرأي في التصور الإسلامي
هل يستطيع المواطن أن يقول لا؟
تبدأ الحرية السياسية من حق الإنسان في التعبير عن رأيه، حتى عندما يكون هذا الرأي مخالفاً لرؤية السلطة أو الأغلبية أو الجماعة التي ينتمي إليها.
فالمجتمعات التي لا تسمح بالنقد والاختلاف لا تستطيع تطوير مؤسساتها، لأن الخطأ يصبح محمياً بالصمت، والسلطة تتحول إلى مرجع وحيد للحقيقة.
أولاً: الحرية السياسية في الفكر الغربي
تطورت الحرية السياسية في الفكر الغربي من خلال نقاشات فلسفية وتاريخية حول حقوق الفرد وحدود تدخل الدولة.
وأصبحت حرية الرأي والتعبير والصحافة والتجمع والتنظيم من الحقوق الأساسية في النظم الدستورية الحديثة.
وتستند هذه الحريات إلى فكرة أن المجتمع لا يستطيع الوصول إلى المعرفة أو تصحيح السياسات العامة دون تداول الآراء وفتح المجال للنقد.
ثانياً: إبداء الرأي في التصور الإسلامي
يحتل قول الحق والنصيحة ومقاومة الظلم مكانة مهمة في التراث الإسلامي.
ويقول القرآن الكريم:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].
كما جاء في الحديث النبوي: «الدين النصيحة».
وقد تناول الفقه الإسلامي قضايا النصيحة للحاكم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومسؤولية المجتمع تجاه الانحراف والظلم.
لكن تحويل هذه المبادئ إلى نظام متكامل لحرية التعبير السياسية يقتضي تحديد الضمانات القانونية التي تحمي حق الاختلاف والنقد.
ثالثاً: الاختلاف ليس تهديداً للدولة
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن وحدة الدولة تتطلب وحدة الرأي.
فالمجتمعات الحية تقوم على الاختلاف، وتحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارة هذا الاختلاف دون تحويله إلى صراع وجودي.
والاعتراض على قرار حكومي لا يعني بالضرورة معاداة الدولة، وانتقاد الحاكم لا يعني رفض الوطن.
بل إن النقد السلمي قد يكون وسيلة لحماية الدولة من الأخطاء والفساد وسوء الإدارة.
رابعاً: حدود الحرية ومسؤوليتها
الحرية لا تعني إباحة الاعتداء على الآخرين أو التحريض على العنف أو انتهاك كرامتهم.
لكن القيود المفروضة على التعبير ينبغي أن تكون محددة بالقانون، وضرورية ومتناسبة، وألا تتحول إلى أدوات لإسكات المعارضة أو حماية المسؤولين من النقد.
كيف نبني السودان لكي يسع الجميع؟
يحتاج السودان إلى ثقافة سياسية تعترف بحق المواطن في أن يقول رأيه، وأن ينتقد الحكومة، وأن يعارض السياسات العامة دون خوف من العقاب التعسفي.
كما يحتاج إلى إعلام مستقل، وقضاء يحمي الحريات، وقوانين تضمن حق الوصول إلى المعلومات، وتحمي الصحفيين والباحثين والناشطين من التضييق غير المشروع.
ولا يمكن بناء دولة ديمقراطية إذا كان المواطن يخشى التعبير عن رأيه، أو إذا أصبحت الوطنية مرادفة لموافقة السلطة.
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان المواطن موافقاً على الحاكم، بل ما إذا كان يستطيع مخالفته والتعبير عن اعتراضه في إطار القانون.
الدولة القوية ليست التي تمنع النقد، وإنما التي تمتلك مؤسسات قادرة على استيعابه والاستفادة منه.
فهل نريد سوداناً يخاف فيه المواطن من قول الحقيقة، أم سوداناً تحمي فيه الدولة حقه في الاختلاف؟
دكتور عصام دكين

عصام دكين

أنا دكتور زراعي ضل طريقه إلى عالم السياسة الكذوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى