دكينيات | دكتور عصام دكين | النظرية السياسية الإسلامية في حقوق الإنسان – مقارنة مع التصورات العلمانية (4) كيف نبني السودان ليسع الجميع؟

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكينيات | دكتور عصام دكين | النظرية السياسية الإسلامية في حقوق الإنسان – مقارنة مع التصورات العلمانية (4) كيف نبني السودان ليسع الجميع؟
دكينيات (2110)
النظرية السياسية الإسلامية في حقوق الإنسان – مقارنة مع التصورات العلمانية (4)
كيف نبني السودان ليسع الجميع؟
د. عصام دكين
الخميس 30 أكتوبر 2026م – أم درمان – الساعة 07:00 صباحاً
إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرّمه وفضّله، وجعله خليفة في الأرض، وميّزه بالعقل والإرادة، ووهبه القدرة على الاختيار وتحمل المسؤولية. وقد قرر القرآن الكريم هذه الكرامة الإنسانية في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].
وهذه الكرامة ليست امتيازاً تمنحه الدولة لمواطنيها، ولا منحة تتفضل بها السلطة على المحكومين، وإنما هي أصل إنساني ثابت، يسبق وجود الدولة والقانون، ويجب أن تكون جميع مؤسسات الحكم والتشريع والسياسة والاقتصاد خادمة له وحامية لحقوقه.
ومن هنا تأتي رسالة الإسلام باعتبارها رسالة رحمة للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
والرحمة في التصور الإسلامي تتجاوز مجرد إقامة العدل ورد الحقوق إلى أصحابها؛ فهي تضيف إلى العدل قيمة الإحسان، وإلى الحقوق معنى المسؤولية، وإلى الواجبات روح التضامن والتكافل. فالعدل أن تعطي كل ذي حق حقه، والرحمة أن تتجاوز ذلك إلى الإحسان إليه، دون أن يتحول الإحسان إلى وسيلة لإهدار الحقوق أو تكريس التبعية.
وبذلك يصبح الإنسان في التصور الإسلامي إنسان المسؤولية والواجب، الذي يؤدي ما عليه، ويطالب بما له، ويصون حقوق الآخرين كما يطالب بصيانة حقوقه.
ومن هذا المدخل نعود إلى السؤال الذي يشكل جوهر مشروعنا الفكري والسياسي: كيف نبني السودان ليسع الجميع؟
أولاً: لماذا نكتب في النظرية السياسية الإسلامية وحقوق الإنسان؟
إن الوقوف على النظرية السياسية الإسلامية في حقوق الإنسان ومقارنتها بالتصورات العلمانية ليس تمريناً فكرياً مجرداً، ولا محاولة لإثبات تفوق أيديولوجي على حساب الآخر، وإنما هو بحث عن الأسس الفكرية والأخلاقية والسياسية التي يمكن أن تؤسس لدولة سودانية عادلة ومستقرة.
فالسؤال الحقيقي ليس: من ينتصر في الجدل بين الإسلاميين والعلمانيين؟ وإنما: كيف نتفق على دولة تحمي كرامة الإنسان، وتصون حقوقه، وتمنع احتكار السلطة والثروة، وتضمن المساواة بين المواطنين على اختلاف أديانهم وثقافاتهم وألسنتهم وأصولهم الاجتماعية؟
منذ استقلال السودان في يناير 1956م، لم تنجح الدولة الوطنية في إحداث تحول جذري في بنية الحكم والإدارة والاقتصاد والتعليم. فقد ورثت الدولة الوطنية كثيراً من مؤسسات وهياكل الدولة الاستعمارية، وأعادت إنتاج جانب كبير من أنماط التمركز الإداري والاقتصادي والسياسي التي تأسست في تلك المرحلة.
وتعاقبت الحكومات المدنية والعسكرية، وتغيرت الدساتير والشعارات والأيديولوجيات، لكن ظلت مركزية السلطة والموارد والخدمات سمة أساسية في إدارة البلاد.
فقد ظلت الخرطوم ومحيطها تتمتعان بنصيب غير متناسب من المؤسسات والفرص والخدمات، بينما ظلت مناطق واسعة من السودان تعاني ضعف البنية التحتية، وغياب المؤسسات التعليمية والصحية، ومحدودية فرص الاستثمار والإنتاج والتوظيف.
وتعمقت هذه الاختلالات بفعل اقتصاد ريعي يقوم على تركيز الموارد والعائدات في مؤسسات مركزية، ثم إعادة توزيعها من أعلى، وفق موازين النفوذ السياسي والعسكري والإداري، بدلاً من بناء اقتصاد إنتاجي يضمن مشاركة المجتمعات المحلية في إدارة مواردها والاستفادة منها.
لقد تحولت مؤسسات الدولة، في كثير من الأحيان، من أدوات لتحقيق التنمية العامة إلى أدوات لإعادة إنتاج امتيازات النخب المتحكمة في السلطة والاقتصاد.
فالقطن في الجزيرة، والصمغ العربي في كردفان، والثروة الحيوانية في الأقاليم المختلفة، والنفط في مناطق إنتاجه، والذهب في دارفور وغيرها، كلها موارد وطنية ينبغي أن تتحول إلى تنمية وخدمات وفرص إنتاجية، لا أن تصبح مصدراً لتراكم الثروة في أيدي مجموعات محدودة.
وهنا تكمن إحدى جذور الأزمة السودانية: مناطق تنتج الثروة، ومركز يحتكر بدرجات متفاوتة القرار المالي والسياسي والإداري، ومواطنون يشعرون بأنهم خارج عقد المواطنة المتساوية.
ثانياً: حقيقة الصراع السوداني
ليس من الدقة اختزال الصراع السوداني في صراع بين العرب والأفارقة، أو بين المسلمين والمسيحيين، أو بين المكونات الإثنية والقبلية.
فهذه الانقسامات موجودة في المجتمع السوداني، لكنها لا تفسر وحدها جذور الأزمة ولا طبيعة الصراع على الدولة.
إن أحد أهم أبعاد الأزمة هو الصراع حول السلطة والثروة والهوية، وحول من يملك حق تعريف الدولة، ومن يحدد أولوياتها، ومن يتحكم في مواردها، ومن يحصل على نصيب عادل من خدماتها وفرصها.
لقد ساهم التمركز التاريخي للسلطة والثروة في إنتاج شعور عميق بالتهميش لدى قطاعات واسعة من السودانيين، وأدى غياب العدالة التنموية والسياسية إلى إضعاف الثقة بين المجتمعات المحلية ومؤسسات الدولة.
ومن هنا لا ينبغي النظر إلى حمل السلاح باعتباره ظاهرة منفصلة عن سياق الأزمة التاريخية، وإن كان ذلك لا يبرر العنف أو انتهاكات حقوق الإنسان أو الاعتداء على المدنيين، أياً كانت الجهة التي ترتكبها.
ففهم أسباب التمرد والحروب لا يعني شرعنتها، كما أن رفض العنف لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإنكار المظالم التي ساهمت في إنتاجه.
إن المطلوب هو معالجة جذور الأزمة، لا الاكتفاء بإدارة مظاهرها الأمنية والعسكرية.
ثالثاً: تشخيص أزمة الدولة السودانية
يمكن تلخيص الأزمة في خمسة اختلالات رئيسية:
1. اختلال بنية الدولة المركزية
ورث السودان نموذجاً إدارياً شديد المركزية، لم ينجح في استيعاب التنوع الجغرافي والثقافي والاجتماعي. وأدى ضعف المشاركة المحلية في صنع القرار إلى شعور قطاعات واسعة بأن الدولة بعيدة عنها، ولا تعبر عن مصالحها وتطلعاتها.
2. اختلال توزيع الثروة والفرص
لم تقم العلاقة بين مناطق الإنتاج ومؤسسات الدولة على قواعد عادلة ومستقرة لتوزيع الموارد والاستثمار والخدمات. وأصبح التفاوت التنموي بين المركز والأقاليم أحد أهم مصادر الاحتقان السياسي والاجتماعي.
3. أزمة الهوية الوطنية
حاولت بعض النخب السياسية فرض تصورات أحادية للهوية الوطنية، مستندة إلى الدين أو اللغة أو الثقافة، بدلاً من بناء هوية سودانية جامعة تستوعب جميع المكونات.
فالسودان ليس مجتمعاً متجانساً، ولا يمكن بناء دولته على افتراض وجود مواطن نموذجي واحد ينبغي للجميع أن يتشبهوا به.
4. عسكرة السياسة والدولة
أدى تدخل المؤسسة العسكرية والتشكيلات المسلحة في التنافس على السلطة والموارد إلى إضعاف المؤسسات المدنية، وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة.
وتكشف حرب أبريل 2023م بصورة مأساوية عن خطورة تعدد مراكز القوة المسلحة خارج إطار الدولة والمؤسسات الدستورية، وعن عجز البنية السياسية عن إدارة التنافس على السلطة سلمياً.
ولا يجوز اختزال أسباب الحرب في عامل واحد، لكن احتكار الموارد والسلطة، وضعف المؤسسات، وتعدد الجيوش ومراكز النفوذ، كلها عوامل أسهمت في تفجير الأزمة وتعقيدها.
5. تسييس الدين والهوية
إن توظيف الدين لتبرير احتكار السلطة أو إقصاء المختلفين يتعارض مع مقاصد العدل والرحمة والكرامة الإنسانية في الإسلام.
فالدين قيمة أخلاقية وروحية وحضارية، وليس أداة لحرمان المواطنين من حقوقهم أو تصنيفهم إلى درجات متفاوتة في المواطنة.
رابعاً: كيف نبني السودان؟ روشتة البناء الوطني
إن الخروج من الأزمة يتطلب مشروعاً وطنياً جديداً، لا يقوم على إعادة توزيع المناصب بين النخب القديمة، وإنما على إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والثروة، وبين الهوية والمواطنة.
أولاً: بناء اقتصاد منتج بدلاً من اقتصاد الريع
لا يمكن بناء دولة مستقرة باقتصاد يعتمد على استخراج الموارد وتصديرها وتوزيع عائداتها وفق موازين القوة والنفوذ.
نحتاج إلى اقتصاد إنتاجي متنوع يقوم على الزراعة والصناعة والتعدين والثروة الحيوانية والطاقة والخدمات، ويحول الموارد الطبيعية إلى قيمة مضافة وفرص عمل وتنمية مستدامة.
فالذهب والنفط والأراضي الزراعية ليست غايات في ذاتها، وإنما وسائل لبناء المدارس والمستشفيات والطرق والجامعات والمصانع، وتحسين حياة المواطنين.
كما ينبغي أن تخضع الموارد العامة للشفافية والرقابة والمساءلة، وأن يكون للمجتمعات المحلية نصيب عادل من عائدات الموارد التي تنتج في مناطقها، ضمن إطار وحدة الدولة وتكامل اقتصادها الوطني.
ثانياً: نقل التنمية إلى حيث يعيش وينتج الناس
إن المطلوب ليس نقل العاصمة جغرافياً فحسب، وإنما نقل مركز الثقل التنموي من العاصمة إلى جميع أنحاء السودان.
نحتاج إلى مدن إقليمية قوية، ومراكز إنتاج وصناعة وتعليم وصحة، وشبكات طرق واتصالات تربط الأقاليم بعضها ببعض.
يجب أن تصبح المستشفيات والجامعات ومراكز التدريب والمؤسسات الاقتصادية قريبة من المواطنين، بدلاً من إجبارهم على الهجرة إلى الخرطوم بحثاً عن أبسط الخدمات والفرص.
إن نقل المدن إلى الريف يعني إعادة توزيع فرص الحياة الكريمة، بحيث لا يكون مكان الميلاد أو الانتماء الجغرافي سبباً في حرمان الإنسان من حقوقه.
ثالثاً: علمانية الدولة بمنتوج سوداني (Secularism Made in Sudan)
هذه من أكثر القضايا التي تحتاج إلى نقاش وطني هادئ ومسؤول.
إن طرح علمانية الدولة في السياق السوداني لا ينبغي أن يكون استيراداً آلياً لتجارب خارجية، ولا إعلان حرب على الدين أو محاولة لإقصائه من حياة المجتمع.
المقصود هو تحرير مؤسسات الدولة من الاحتكار الأيديولوجي، وضمان عدم استخدام السلطة العامة لفرض معتقد ديني أو تفسير أيديولوجي واحد على جميع المواطنين.
فالدولة التي تضم مسلمين ومسيحيين وأصحاب معتقدات أخرى، ومواطنين مختلفين في رؤاهم الفلسفية والفكرية، لا بد أن توفر للجميع حماية متساوية وحقوقاً متكافئة.
وهنا ينبغي التمييز بين الإسلام باعتباره ديناً ومنظومة قيم ومقاصد أخلاقية وتشريعية، وبين الدولة باعتبارها مؤسسة بشرية تدير شؤون مجتمع متعدد.
فالإسلام أوسع من أي تجربة سياسية أو منتج بشري، ولا يجوز اختزال الدين في تجربة حكم معينة، أو اعتبار نقد سياسات الحكومات نقداً للدين نفسه.
إن المطلوب هو مشروع وطني يتوافق عليه الإسلاميون والعلمانيون واليساريون والقوميون الأفارقة والليبراليون واللادينيون، وسائر مكونات المجتمع السوداني، على أساس المواطنة المتساوية وحرية الاعتقاد والضمير والعبادة، واستقلال القضاء، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة.
وإذا كان مصطلح العلمانية يثير حساسيات تاريخية وفكرية لدى بعض السودانيين، فإن النقاش ينبغي ألا يتوقف عند المصطلحات، بل يتجه إلى مضمون الاتفاق الوطني وشروطه ومؤسساته وضماناته.
ومع ذلك، فإننا لا نرى مانعاً من استخدام مصطلح «العلمانية السودانية» إذا كان يعبر عن صيغة وطنية مستقلة، تحمي الدين من التوظيف السياسي، وتحمي الدولة من الاحتكار الأيديولوجي، وتحمي المواطن من التمييز والإقصاء.
رابعاً: بناء هوية سودانية جامعة تتجاوز القبلية
السودان وطن متعدد، وتنوعه ليس مشكلة ينبغي التخلص منها، وإنما ثروة حضارية ينبغي إدارتها بحكمة.
نحتاج إلى الانتقال من الهويات المتصارعة إلى هوية وطنية جامعة، لا تلغي الانتماءات القبلية أو الثقافية أو الدينية، وإنما تجعلها جميعاً جزءاً من الانتماء السوداني الأوسع.
إن السودانوية التي ننشدها ليست شعاراً ثقافياً مجرداً، وإنما عقد اجتماعي يقوم على المصالح المشتركة، والحقوق المتساوية، والواجبات المتبادلة، والاعتراف المتبادل بين جميع مكونات الشعب.
خامساً: إدارة حكيمة تحقق العدالة والمساواة
السودان بلد واسع ومتنوع، ولا يمكن إدارته بعقلية المركز الواحد والقرار الواحد.
نحتاج إلى نظام حكم يوسع المشاركة السياسية، ويمنح الأقاليم والولايات سلطات حقيقية في إدارة شؤونها، ويحقق التوازن بين وحدة الدولة وحق المجتمعات المحلية في إدارة مصالحها.
كما نحتاج إلى قضاء مستقل، وخدمة مدنية مهنية، ومؤسسات رقابية فاعلة، وانتخابات حرة ونزيهة، وتداول سلمي للسلطة.
فالعدالة والمساواة ليستا شعارات أخلاقية فحسب، وإنما شروط أساسية لبقاء الدولة واستقرار المجتمع.
سادساً: تأسيس عقد اجتماعي جديد
لا يمكن بناء السودان الجديد دون اتفاق وطني يؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والمواطن.
ويجب أن يقوم هذا العقد على المبادئ الآتية:
كرامة الإنسان وحرمة حياته وحقوقه الأساسية.
المواطنة المتساوية دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة أو الجهة.
حرية الاعتقاد والتعبير والتنظيم السياسي.
سيادة حكم القانون واستقلال القضاء.
التوزيع العادل للسلطة والثروة والخدمات.
الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي والاجتماعي.
احتكار الدولة الشرعي للقوة المسلحة وفق مؤسسات دستورية ومهنية.
المساءلة والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.
التداول السلمي للسلطة واحترام الإرادة الشعبية.
خامساً: السلام السوداني وسيادة القرار الوطني
إن تحقيق السلام في السودان لا يمكن أن يكون مجرد تسوية بين القوى المسلحة أو اتفاقاً لتقاسم السلطة والمناصب.
السلام الحقيقي هو الذي يعالج جذور الحرب، ويعيد بناء مؤسسات الدولة، ويضمن عودة النازحين واللاجئين، ويحقق العدالة للضحايا، ويعيد الثقة بين المجتمعات السودانية.
كما أن استقلال القرار الوطني واحترام سيادة السودان يمثلان مبدأين أساسيين في العلاقات الدولية. غير أن السيادة لا تكتمل بمجرد رفض الإملاءات الخارجية، بل تكتمل أيضاً بسيادة القانون داخل الدولة، واحترام حقوق المواطنين، وتمكين الشعب من تقرير مستقبله بإرادته الحرة.
إن السودان يحتاج إلى علاقات دولية متوازنة، تحترم مصالحه الوطنية، وتستفيد من عالم متعدد الأقطاب، دون الارتهان لمحور دولي أو إقليمي بعينه.
فالسيادة الحقيقية تبدأ من الداخل، من دولة تحترم مواطنيها، وتستمد شرعيتها من إرادتهم، وتحمي حقوقهم، وتدير مواردهم لمصلحتهم.
الخاتمة: السودان الذي يسع الجميع
إن السؤال: كيف نبني دولة سودانية تسع الجميع؟ ليس سؤالاً سياسياً عابراً، ولا شعاراً يصلح للاستهلاك الإعلامي، وإنما هو سؤال وجودي يتعلق بمستقبل الدولة والمجتمع والإنسان السوداني.
إن الإجابة تبدأ بالاعتراف بأن السودان ملك لجميع السودانيين، وأن الدولة ليست ملكاً لحزب أو قبيلة أو جهة أو جماعة دينية أو مؤسسة عسكرية.
ولا يمكن بناء دولة مستقرة ما لم ننتقل من احتكار السلطة إلى المشاركة، ومن اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج، ومن التمييز إلى المواطنة، ومن عسكرة السياسة إلى حكم المؤسسات، ومن الصراع على الهوية إلى الاعتراف بالتنوع.
وفي هذا السياق، تظل النظرية السياسية الإسلامية بما تحمله من مبادئ الكرامة الإنسانية والعدل والشورى والرحمة والمساواة أمام القانون مصدراً مهماً للإسهام في بناء الدولة، شريطة ألا تتحول إلى أداة لاحتكار الحقيقة أو السلطة أو إقصاء المختلفين.
كما أن التصورات العلمانية، بما تطرحه من نقاش حول حياد الدولة وحرية الاعتقاد والمواطنة، تستحق أن تدخل في حوار وطني جاد، بعيداً عن التخوين والتكفير والتصنيف الأيديولوجي.
إن التحدي ليس في أن ينتصر الإسلاميون على العلمانيين، أو العلمانيون على الإسلاميين، وإنما في أن ينتصر الإنسان السوداني على الظلم والاستبداد والحرب والتهميش.
لقد غاب الإنسان السوداني، في كثير من مراحل تاريخنا الحديث، عن موقعه الطبيعي بوصفه غاية الدولة وموضوع التنمية وصاحب الحق الأصيل في السلطة والثروة والكرامة. وتحولت السياسة لدى كثير من القوى إلى وسيلة للسيطرة، بدلاً من أن تكون أداة لخدمة الإنسان.
إن استعادة هذا الإنسان تبدأ بإعادة الاعتبار لكرامته وحقوقه وحريته، وبناء دولة لا يخاف فيها المواطن من اختلافه، ولا يشعر فيها بأنه غريب في وطنه، ولا يحتاج فيها إلى السلاح حتى يسمع صوته أو ينال حقه.
السودان الذي نريده ليس دولة ينتصر فيها المركز على الهامش، ولا جماعة على أخرى، ولا أيديولوجيا على بقية المجتمع؛ بل دولة ينتصر فيها الإنسان، ويكون فيها العدل أساس الحكم، والمواطنة أساس الحقوق، والرحمة أساس التعامل، والإنتاج أساس الاقتصاد، والسلام أساس المستقبل.
ذلك هو السودان الذي يسع الجميع.
والله من وراء القصد.
د. عصام دكين
أم درمان – 30 أكتوبر 2026م

