على طاولة الوطن | عاتكة عيسى إبراهيم محمود | من يملك مشروع بناء السودان | بين استعادة الدولة وبناء الإنسان وصناعة المستقبل

صوت الشارع
مقالات وكتاب
على طاولة الوطن | عاتكة عيسى إبراهيم محمود | من يملك مشروع بناء السودان | بين استعادة الدولة وبناء الإنسان وصناعة المستقبل
المقال الثامن: من يملك مشروع بناء السودان؟
بين استعادة الدولة وبناء الإنسان وصناعة المستقبل
بقلم: عاتكة عيسى إبراهيم محمود
لا يحتاج السودان إلى هدنة أو مساعدات فحسب، بل إلى مشروع وطني يعيد تأسيس الدولة، ويضع الإنسان في قلبها، ويربط الإعمار بالعدالة والتنمية والمساءلة. فالمعركة الحقيقية تبدأ بعد توقف القتال: باستعادة المؤسسات، وبناء الثقة، وإصلاح الاقتصاد، وتوفير الخدمات، وضمان الحقوق، ومنع تكرار أسباب الانهيار. وإعادة البناء لا تعني تشييد الطرق والمباني فقط، بل إصلاح المؤسسات وتهيئة مستقبل أكثر استقراراً وإنصافاً.
رؤية وطنية وسيادة القانون
يحتاج السودان إلى رؤية تتجاوز الحسابات الآنية، وتتحول إلى برامج محددة بجداول زمنية ومؤشرات قياس ومسؤوليات معلنة. فإعادة فتح المدارس، مثلاً، يجب أن تحدد عدد المدارس والجهات المنفذة ومصادر التمويل وموعد عودة التلاميذ.
ويبدأ بناء الدولة بسيادة القانون واستقلال القضاء والمساواة أمامه، وحماية المال العام ومكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات بإجراءات عادلة. ويتطلب ذلك آليات مستقلة للتحقيق، ومراجعة عقود الإعمار والمشتريات، ونشر النتائج؛ حتى لا تتحول أموال إعادة البناء إلى مصدر جديد للصراع أو الإثراء غير المشروع.
إعمار الإنسان والمكان
ينبغي أن تبدأ الأولويات من الاحتياجات اليومية: المياه، والصحة، والتعليم، والكهرباء، والنقل، وفرص العمل، مع تهيئة عودة النازحين واللاجئين طوعاً وأماناً وكرامة. ويشمل ذلك إزالة مخلفات الحرب، وتوفير السكن والخدمات، وتسوية قضايا الأرض والملكية، وضمان مصادر الرزق.
ويجب أن يراعي الإعمار حجم الضرر واحتياجات كل ولاية، مع عدالة توزيع الموارد ووضوح التمويل وفاعلية الرقابة، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد المشروعات ومتابعتها. فالمزارعون والرعاة وسكان المناطق المتضررة أقدر على تحديد احتياجاتهم من الخطط المركزية. وبهذا ترتبط الإغاثة بالتعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة، بدلاً من استمرار الاعتماد على المساعدات.
الوحدة والمشاركة
لا تعني الوحدة الوطنية إلغاء التنوع، بل إدارته بعدالة، وضمان الحقوق، وتحقيق توازن بين المركز والولايات عبر منحها صلاحيات أوسع في التعليم والصحة والتنمية، مع تحويلات مالية عادلة وشفافة.
كما تتطلب مواجهة خطاب الكراهية، ومعالجة النزاعات بالحوار والعدالة، وربط المصالحة بالحقيقة وجبر الضرر، خصوصاً في قضايا الأرض والموارد والتهجير والانتهاكات. ويمكن إنشاء لجان محلية تضم المتضررين والإدارات الأهلية والنساء والشباب لتوثيق الوقائع وتسوية النزاعات ومتابعة التعويضات.
ولا يكتمل المشروع الوطني دون مشاركة مؤثرة للمرأة والشباب، عبر إشراكهم في التخطيط والرقابة، وتمويل مشروعاتهم، وربط التدريب المهني باحتياجات سوق العمل.
برنامج وطني قابل للمساءلة
يمكن أن يقوم البرنامج الوطني على خمسة مسارات:
1. الإصلاح المؤسسي والعدلي: تعزيز سيادة القانون والشفافية والمساءلة، وحماية المال العام، ورقمنة السجلات، وتفعيل أجهزة المراجعة، ونشر عقود المشروعات ونتائجها.
2. المسار الإنساني والاجتماعي: توفير الخدمات الأساسية، ودعم المتضررين، وضمان العودة الآمنة، وإعادة تشغيل المراكز الصحية وتأهيل المدارس وتوفير المياه ودعم الأسر فاقدة الدخل.
3. المسار الاقتصادي: دعم الزراعة والثروة الحيوانية والصناعة والمشروعات الصغيرة والتعاونيات، وتوفير مدخلات الإنتاج وتأهيل قنوات الري وفتح الأسواق.
4. السلام المجتمعي: معالجة جذور النزاعات، ومكافحة خطاب الكراهية، وتعزيز الحوار والوساطة وتسوية نزاعات الأرض والمياه ودعم المصالحة وجبر الضرر.
5. المشاركة الوطنية: إشراك المرأة والشباب والمهنيين والإدارات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني في تحديد الأولويات ومتابعة التنفيذ، عبر مؤتمرات ولائية دورية.
ويجب تحديد مسؤولية كل جهة، ووضع مؤشرات قابلة للقياس، ونشر تقارير دورية توضح نسب الإنجاز والتكلفة والجهات المنفذة. بذلك يتحول المواطن من متلقٍ للوعود إلى شريك في المتابعة والمساءلة.
أسئلة المرحلة
يتطلب المستقبل إجابات واضحة: من يقود تنسيق الإعمار بين الحكومة والولايات والمنظمات والمجتمعات؟ وكيف تصل الموارد إلى المناطق الأكثر تضرراً؟ وما الضمانات لمنع تكرار الخلل المؤسسي وحماية المال العام؟
وتحتاج استعادة الثقة إلى استقلال القضاء، وحماية الشهود، وتعويض المتضررين، ونشر معلومات الإنفاق والمشروعات، وإتاحة منصات للشكاوى وتقارير مجتمعية لتقييم الأداء. فالمطلوب تحويل مشروع بناء السودان من فكرة عامة إلى التزامات قابلة للقياس والمساءلة.
الخاتمة: السودان أكبر من المصالح الضيقة
لا يحتاج السودان إلى مزيد من الوعود، بل إلى مشروع وطني يحوّل الألم إلى إصلاح، ويضع الإنسان والعدالة والإنتاج في قلب الدولة. يبدأ ذلك بإعادة تشغيل مدرسة ومركز صحي ومحطة مياه، ويمتد إلى إصلاح القضاء، ودعم المزارع، وتمكين المرأة والشباب، وضمان مشاركة الولايات والمجتمعات المحلية.
إن بناء الوطن مسؤولية مشتركة، لكنه يحتاج إلى مسؤوليات محددة ومواعيد معلنة ومساءلة حقيقية. فإما أن نبني دولة تحكمها المؤسسات وتصونها العدالة ويشارك في صنعها جميع أبنائها، أو نترك الأزمات تتكرر ويدفع المواطن ثمنها من جديد. إنقاذ السودان مسؤولية مشتركة، وبناء مستقبله أمانة لا تحتمل التأجيل.


