مقالات وكتاب

عمق الكلام | عوض عمر الشائب | حين تصبح رحلة البحث عن عمل هي الغربة الحقيقية

صوت الشارع

مقالات وكتاب

عمق الكلام | عوض عمر الشائب | حين تصبح رحلة البحث عن عمل هي الغربة الحقيقية

🔴 معاناة لا يراها أحد خلف واجهة الاغتراب

 

كثير من الشباب السوداني يعتقد أن الغربة هي جواز سفر وتأشيرة ومطار وحقيبة تُغلق على عجل صورة رسمها لنا المجتمع من زمااان مسافر يلوح بيده وهو على سلم الطايره ثم يرسل صور وهو في بلاد جميلة ثم تحويلة آخر الشهر . لكن من جرب الغربه يعرف أنها غير ذلك تماماً الأرزاق فيها مقسمه بقدر معلوم فالغربة الحقيقية لا تبدأ في صالة المغادرة بل تبدأ بعد ذلك.

يخرج الشاب السوداني من بلاده محملاً بسنوات من الدراسة والجهد بشهادة جامعية وضع عليها والده كل ما يملك وبدعوات أم سهرت الليالي وبفكرة بسيطة ونبيلة (سأعمل بجد وسأبني مستقبلي وسأرفع رأس أهلي) يخرج من السودان وهو يحمل هذا التصور وايضا يحمل السودان كله في حقيبته لهجته وكرمه وشهامته وأحلامه الكبيرة لكنه ما إن يضع قدمه على أرض الغربة حتى يصطدم بجدار أول لم يتوقعه جدار لا يُرى في مكاتب وكالات السفر إنه جدار الانتظار الذي تليه كثير من الجدران عليه ان حطمها بصبر وثبات فرحلة البحث عن عمل في الاغتراب لا تخضع لمنطق واحد لكنها قد تقصر لتصبح أسبوعاً لشاب وتطول لتصبح ستة أشهر لشاب آخر يملك نفس الشهادة وذات الخبرة وأحياناً تطول لسنة وأكثر هنا تبدأ الغربة الحقيقية عندما تصحى صباحاً لا لتذهب إلى عمل بل لتبدأ عملك الآخر البحث عن عمل ترسل السيرة الذاتية صباحاً ومساءً تصيغها مرة باللغة العربية وأخرى بالإنجليزية تطرق أبواب الشركات والمؤسسات تجلس أمام بوابات المصانع في المنطقة الصناعية تدخل مجموعات التوظيف تتصل بكل رقم هاتف تجده تبحث في كل التطبيقات تتحول كلمة ( بنتصل عليك) من جملة مطمئنة إلى سكين تذبح الأمل كل يوم وتتحول رسالة (تم استلام طلبك) الآلية إلى صديقك الوحيد

هناك معاناة خلف الواجهة لكن لا أحد يرى هذه المعاناة الأهل في السودان يظنون أنك في نعيم وأنك فقط تحتاج لبعض الوقت لتستقر والأصدقاء على وسائل التواصل يرون صورتك أمام برج مضيء فيظنون أنك حققت الحلم

لا أحد يرى الشاب السوداني وهو يحسب ما تبقى معه من مصاريف وهو يقلل وجباته وهو يمشي مسافات طويلة توفيراً لأجرة المواصلات وهو يبتسم في مكالمة الفيديو مع والدته ويقول “الأمور تمام الحمد لله، الشغل قرب” بينما قلبه يعتصر قلقاً لا أحد يرى كيف تهتز ثقته بنفسه بالأمس كان مهندساً محترماً أو معلماً أو محاسباً او إداريا ََ يُشار إليه بالبنان في الخرطوم أو مدني أو غيرها من مدن البلد الطيبه واليوم يقف في طابور طويل مع العشرات لعله يحظى بمقابلة عمل لا تتجاوز خمس دقائق يبدأ سؤال خطير يتسلل إلى نفسه هل أنا غير كفء؟ هل ضاعت سنوات عمري هباءً؟

هذه هي غربة الروح وهي أقسى من غربة الجسد فالمغترب السوداني يعيش غربتين في آن واحد غربة عن الوطن بكل تفاصيله رائحة الخبز في الصباح وجلسة القهوة وصوت الأذان بطريقته السودانية وضحكات الأصحاب وغربة ثانية داخل الغربة نفسها غربة عن ذاته فهو لا هو في بلده معزز مكرم ولا هو في بلد الاغتراب قد وجد مكانه هو معلق في المنتصف في منطقة انتظار باردة لا يعرف متى تنتهي

وفي هذه المنطقة يتعلم المغترب دروساً لا تُدرس في الجامعات يتعلم أن الكرامة ليست في نوع العمل بل في السعي الشريف وأن الصبر ليس كلمة تقال في الخطب بل هو أن تطرق الباب المئة بعد أن أُغلق في وجهك تسعة وتسعون باباً يتعلم أن الرزق بيد الله وأن تأخره لحكمة لا يعلمها إلا هو

عمق اخر…

إلى أخي السوداني الذي يقرأ هذا المقال الآن وهو ينتظر اتصالاً وهو يحدث سيرته الذاتية للمرة الألف

أنت لست وحدك هذه المرحلة مر بها الآلاف قبلك وخرجوا منها أقوى بحول الله وقوته فترة البحث عن عمل ليست بطالة بل هي وظيفة بدوام كامل وظيفة تتطلب جَلَداً وإيماناً لا تخجل من طرق كل باب ولا تستهن بأي فرصة احتفظ بكرامتك لكن دع عنك الكِبر تواصل مع أبناء بلدك فالسودانيون في الغربة اغلبهم سند لبعضهم وكلمة طيبة من أحدهم قد تفتح لك باباً لم تكن تراه

وتذكر أن الله لا ينسى دعوة أمك التي دعت لك في جوف الليل وتعب أبيك وسهرك أنت كل ذلك محفوظ عنده وما تأخر رزقك إلا ليأتيك في الوقت الذي تكون فيه أكثر قدرة على حمله وصونه فالغربة ليست جواز سفر الغربة هي الأيام الثقيلة التي تسبق الفرج فإذا جاء الفرج وجاء العمل ستعرف أنك لم تجد وظيفة فقط بل وجدت نفسك من جديد أكثر صلابة وأكثر فهماً للحياة

اصبر فما بعد الصبر إلا الفرج وما بعد طول الانتظار إلا عمل يليق بصبرك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى