مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | التسوية السياسية بين العلمانيين والإسلاميين واليساريين لحسم الصراع حول النظام السياسي في السودان.

صوت الشارع

مقالانت وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | التسوية السياسية بين العلمانيين والإسلاميين واليساريين لحسم الصراع حول النظام السياسي في السودان.

دكينيات(1995)2026/9/26م

دكتور عصام دكين

لأكثر من نصف قرن والسودان يدور في حلقة مفرغة: علمانيون يرفعون لافتة الحرية، وإسلاميون يرفعون لافتة الشريعة، ويساريون يرفعون لافتة العدالة. وكل طرف يظن أن لافتته هي الحق المطلق، والآخر هو الباطل المطلق.

اليمين واليسار ليسا دينين منزلين، بل هما كرسيان في قاعة باريس عام 1789. من جلس على اليمين دافع عن الملك، ومن جلس على اليسار طالب بالتغيير. الصدفة المكانية تحولت مع الزمن إلى عقيدة.

وهنا أول درس للتسوية السودانية:
ما هو تاريخي ونسبي لا يمكن أن يكون أساساً لدولة أبدية. لا الإسلامي يمثل يميناً أبدياً، ولا اليساري يمثل يساراً أبدياً. كلاهما تغير. اليسار السوداني الذي كان ضد الاستعمار أصبح مع الدولة، والإسلامي الذي كان مع الدولة أصبح ضدها. والمحتوى يتغير، والاسم فقط هو الذي يبقى.

الدرس الثاني من الكتاب هو الانتقال من التصنيف الجامد إلى المحاور المتحركة.

هل أنت علماني أم إسلامي؟ بل نسأل أربعة أسئلة عملية:

1. محور الحرية: هل تقبل أن ينتقدك أهل الثورة وأمبدة وكرري دون أن تسجنهم؟
2. محور المساواة: هل تقبل أن توزع الميزانية بعدل بين حي الصالحة الغني وحي دار السلام الفقير؟
3. محور السلطة: هل تقبل أن تحكم مع مجلس منتخب من الأحياء، لا وحدك بمرسوم؟
4. محور الملكية والمال العام.

هل تقبل أن تعلق ميزانية المحلية كل شهر على باب المسجد والسوق؟

إذا أجاب الإسلامي والعلماني واليساري بـ “نعم” على هذه الأربعة، فهم على نفس المحور العملي، وإن اختلفت لافتاتهم النظرية. وإذا أجابوا بـ “لا”، فهم جميعاً على محور الاستبداد، وإن اختلفت لافتاتهم.

وهنا جوهر التسوية السياسية التي نحتاجها في السودان: تسوية لا تُلغي الهويات، بل تنزع عنها حق احتكار الدولة.

التسوية تعني:
أ- الدولة ليست غنيمة: الدولة ليست دولة علمانية خالصة ولا إسلامية خالصة، بل هي جهاز خدمات محايد: ماء، تعليم، أمن، صحة. كما أن الوالي في الخرطوم لا نسأله عن مذهبه بل عن كفاءته في إصلاح المدرسة، كذلك رئيس الدولة.

ب- المجتمع هو ساحة التنافس، لا الدولة: من أراد أن يدعو للعلمانية فليدعُ في مسجده وناديه وجامعته، ومن أراد أن يدعو للإسلام فليدعُ في مسجده وسوقه، والدولة تحمي حق الجميع في الدعوة، ولا تتبنى دعوة واحدة وتقمع الباقي.

ج- المقصد ثابت والوسيلة متغيرة:
المقصد هو العدل، والوسيلة هي الانتخاب المحلي والمحاسبة والشفافية. هذا هو فقه المقاصد الذي يجمعنا. النبي صلى الله عليه وسلم قال “إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة” – لم يقل إلى غير حزبه، بل إلى غير أهله أي غير الكفء.

اليمين واليسار قد استنفدا صلاحيتهما كتصنيفين في القرن الحادي والعشرين، فإن السودان أمامه فرصة تاريخية أن يكون أول من يطبق البديل: لا نسأل المواطن ماذا تعتقد، بل ماذا ستقدم لأهل حيك او قريتك او مدينتك؟

وهكذا، بدلاً من أن يتقاتل أهل الخرطوم والسودان على هل نحن علمانيون أم إسلاميون، يجلسون في مسجد واحد ويسألون المرشح: ما هي خطتك للماء في 100 يوم؟ من عنده خطة، ننتخبه، كائناً من كان.

هذا هو الانتقال من سياسة اللافتات إلى سياسة الميثاق. ومن يرفض الميثاق، هو وحده من يرفض التسوية.

الخلاصة:
التسوية ليست أن يتنازل الإسلامي عن دينه أو العلماني عن فكره، التسوية أن يتنازل الجميع عن وهم أن الدولة ملك لحزب واحد. الدولة ملك لأهل السودان والرئيس والوالي خادمين لهم، والمحاسبة شهرية على ما انجزوا من خطط في المجالس التشريعية الاتحادية والولائية.
——————-‐—–‐————–
سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين دكتور عصام دكين

عصام دكين

أنا دكتور زراعي ضل طريقه إلى عالم السياسة الكذوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى