مقالات وكتاب

على طاولة الوطن | عاتكة عيسى إبراهيم محمود | الحوار السوداني ـ السوداني وتوحيد الكتل.. هل نُصحِّح المسارات ونُوحِّد صف الوطن | المقال رقم (4)

صوت الشارع

مقالات وكتاب

على طاولة الوطن | عاتكة عيسى إبراهيم محمود | الحوار السوداني ـ السوداني وتوحيد الكتل.. هل نُصحِّح المسارات ونُوحِّد صف الوطن | المقال رقم (4)

بقلم: عاتكة عيسى إبراهيم محمود
الحوار السوداني ـ السوداني.. بين توحيد الكتل وتوحيد الصف الوطني

يمر السودان بمرحلة تاريخية تتطلب منا جميعاً الوقوف أمام قضايا الوطن بمسؤولية وطنية، بعيداً عن الانقسامات والخلافات التي أرهقت المجتمع وأثرت على استقراره وأمنه ومستقبل أجياله. وفي ظل المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد، يبرز الحوار السوداني ـ السوداني بوصفه مدخلاً لمعالجة القضايا الوطنية، وإعادة بناء الثقة بين مكونات الشعب السوداني.

ولكن تظل الأسئلة الجوهرية مطروحة: هل توحيد الكتل السياسية والمجتمعية يعني تصحيح المسارات وتوحيد صف الوطن؟ وهل تستطيع الرؤى والتوصيات التي تخرج من جلسات الحوار أن تتحول إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في حياته اليومية؟ وهل تشمل هذه الكتل جميع مكونات المجتمع السوداني، أم أن هناك فئات ما زالت خارج دائرة المشاركة وصناعة القرار؟

إن توحيد الكتل لا ينبغي أن يكون مجرد اتفاق بين قيادات أو كيانات محدودة، بل يجب أن يرتبط بمشروع وطني يضع مصلحة السودان والمواطن فوق المصالح الخاصة، ويتيح المشاركة الواسعة لمختلف المكونات الاجتماعية والسياسية والمهنية والنسوية والشبابية.

من الرؤى والتوصيات إلى التنفيذ.. متى ترى مخرجات الحوار النور؟

كثيراً ما تُطرح الرؤى والتوصيات خلال المؤتمرات والملتقيات والاجتماعات الوطنية، ولكن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من مرحلة النقاش إلى مرحلة التنفيذ.

فالمواطن السوداني لا يحتاج إلى توصيات تُحفظ داخل الملفات فحسب، وإنما يحتاج إلى نتائج حقيقية تنعكس على حياته، وعلى أمنه ومعاشه وخدماته الأساسية. ويحتاج إلى أن يرى أن ما يُطرح في قاعات الحوار يمكن أن يتحول إلى برامج عمل ومشروعات واضحة، تتوافر لها المسؤوليات والموارد وآليات المتابعة والمحاسبة.

ومن هنا، فإن نجاح الحوار لا يُقاس بعدد المشاركين أو البيانات الختامية، وإنما بمدى القدرة على تحويل المخرجات إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ، مع إشراك المجتمع في متابعة ما تم الاتفاق عليه.

فهل تملك الكتل المتحاورة الإرادة السياسية والمجتمعية الكافية لتحويل الرؤى إلى واقع؟ وهل توجد آلية واضحة تضمن ألا تظل التوصيات حبيسة الأوراق؟

هل تشمل الكتل جميع مكونات المجتمع السوداني؟

إن السودان وطن متعدد الثقافات والمناطق والمجتمعات، ولا يمكن بناء رؤية وطنية شاملة دون الاعتراف بهذا التنوع وإتاحة الفرصة أمام الجميع للمشاركة.

فالحوار الذي يقتصر على النخب السياسية أو القيادات المركزية قد لا يعكس بالضرورة احتياجات المجتمعات المحلية، ولا سيما تلك التي عانت من النزوح والحرب وتدهور الخدمات وفقدان مصادر الرزق.

وهنا تبرز ضرورة طرح سؤال جوهري: هل تشمل الكتل جميع مكونات المجتمع السوداني، بما فيها المرأة والشباب والإدارات الأهلية والمجتمعات الريفية والنازحون والمهنيون ومنظمات المجتمع المدني؟

إن شمول الحوار لا يعني جمع الأسماء فقط، بل يعني منح المشاركين فرصة حقيقية للتعبير عن قضاياهم، والمساهمة في صياغة الحلول، والمشاركة في تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

السودانيون خارج حدود الوطن.. أين موقعهم من الحوار؟

لا يمكن تجاهل السودانيين الموجودين خارج حدود الوطن، سواء كانوا من المهاجرين أو اللاجئين أو المقيمين في دول مختلفة. فقد فرضت ظروف الحرب على أعداد كبيرة من أبناء الشعب السوداني مغادرة مناطقهم وبلادهم، وأصبح لهم ارتباط مباشر بقضايا الوطن ومستقبله.

ومن المهم أن يفتح الحوار الوطني مساحات مناسبة لمشاركة السودانيين في الخارج، والاستماع إلى رؤاهم ومقترحاتهم، ومراعاة أوضاعهم واحتياجاتهم، وفق آليات واضحة تضمن المشاركة المسؤولة.

فالسؤال الذي يستحق النقاش هو: كيف يمكن أن تكون مشاركة السودانيين خارج الوطن جزءاً من مشروع وطني جامع، دون أن تتحول إلى مساحة جديدة للانقسام أو الإقصاء؟

إن الإجابة تحتاج إلى حوار مؤسسي يحدد أشكال المشاركة، ويراعي اختلاف الظروف والمواقع، ويضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار.
الحوار يجب أن ينزل إلى القاعدة.. لا أن يبقى في القمة

إن من أبرز التحديات التي تواجه أي مشروع للحوار الوطني أن يظل محصوراً في المستويات العليا، بينما تبقى المجتمعات المحلية بعيدة عن صناعة القرار.

فالمواطن الموجود في المعسكرات، والمرأة التي تتحمل أعباء الأسرة، والشباب الذين يبحثون عن فرص العمل، والأسر التي فقدت مصادر دخلها، جميعهم يحملون قضايا حقيقية تحتاج إلى أن تُسمع وتُناقش وتُعالج.

نحن بحاجة إلى حوار ينزل إلى القاعدة، إلى الأحياء والقرى والمعسكرات ومناطق النزوح، وإلى المجتمعات التي تعيش تفاصيل الأزمة بصورة مباشرة.

فالحوار المجتمعي الحقيقي يبدأ من الاستماع إلى الناس، وفهم احتياجاتهم، وإشراكهم في وضع الحلول. ولا ينبغي أن تكون المجتمعات مجرد متلقٍّ لقرارات تُتخذ بعيداً عنها، بل شريكاً في تحديد الأولويات وبناء المستقبل.

ومن الضروري أن تتوافر للحوار المحلي بيئة آمنة وشاملة، تتيح التعبير عن الآراء دون إقصاء أو تمييز، وتراعي ظروف المجتمعات المتضررة من الحرب.

قضايا المجتمع ومعاش الناس.. أولوية لا تحتمل التأجيل

لا يمكن فصل الحوار السياسي عن الواقع المعيشي للمواطن السوداني. فالأمن والاستقرار يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بقدرة الأسر على توفير الغذاء والدواء والسكن والتعليم ومصادر الدخل.

إن قضايا المجتمع ومعاش الناس يجب أن تكون في صدارة أي مشروع وطني للحوار، لأن المواطن يحتاج إلى أن يشعر بأن الجهود السياسية تهدف إلى تحسين ظروف حياته، ومعالجة المشكلات التي تواجهه بصورة يومية.

وتشمل هذه القضايا:

* توفير سبل العيش الكريم وتحسين الظروف الاقتصادية للأسر.

* دعم المجتمعات المتضررة والنازحين والعائدين.

* تعزيز الخدمات الصحية والتعليمية والمياه.

* دعم المشروعات الصغيرة والإنتاج المحلي.

* حماية التماسك الاجتماعي والحد من خطاب الكراهية.

* إشراك المجتمعات في تحديد احتياجاتها ومتابعة تنفيذ البرامج.

إن معالجة هذه القضايا تتطلب تنسيقاً بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني والقيادات المجتمعية والجهات الداعمة، مع وضع خطط قابلة للتنفيذ تراعي اختلاف احتياجات الولايات والمناطق.
قضايا المرأة والطفل.. جزء أساسي من المشروع الوطني

لا يمكن الحديث عن بناء الوطن وإعادة الإعمار دون التوقف عند قضايا المرأة والطفل، خاصة في ظل الآثار الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية التي خلفتها الحرب.

فالمرأة السودانية تؤدي أدواراً متعددة في الأسرة والمجتمع والعمل المجتمعي، وتواجه تحديات تتعلق بالمعيشة والحماية والوصول إلى الخدمات والفرص الاقتصادية والمشاركة في اتخاذ القرار.

كما أن الأطفال يحتاجون إلى الاهتمام بحقوقهم وحمايتهم، وضمان حصولهم على التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي، خصوصاً في المناطق المتأثرة بالنزوح والحرب.

ومن هنا، يجب أن تكون قضايا المرأة والطفل حاضرة في أجندة الحوار السوداني ـ السوداني، لا بوصفها قضايا هامشية، بل باعتبارها جزءاً من بناء مجتمع متماسك ومستقبل وطني مستدام.

فالمرأة ليست مجرد مستفيدة من برامج إعادة الإعمار، وإنما شريك في التخطيط والتنفيذ وصناعة القرار، والطفل ليس رقماً في إحصاءات الأزمة، بل إنسان يستحق الحماية والرعاية وفرصة بناء مستقبل آمن.

توصيات من أجل حوار وطني يصل إلى المجتمع

حتى يتحول الحوار من مجرد لقاءات إلى مسار عملي، يمكن طرح عدد من التوصيات للنقاش:

* توسيع المشاركة: ضمان حضور مختلف مكونات المجتمع السوداني، بما فيها النساء والشباب والنازحون والمجتمعات المحلية والسودانيون بالخارج.

* إنشاء مسارات للحوار القاعدي: تنظيم جلسات ومشاورات في الولايات والمناطق المتأثرة بالحرب والمعسكرات، وفق ظروف آمنة ومناسبة.

* تحويل المخرجات إلى خطة عمل: تحديد الأولويات والمسؤوليات والجدول الزمني وآليات المتابعة والتقييم.

* ربط الحوار بقضايا المعيشة: إدراج الغذاء والصحة والتعليم والمياه والعمل وإعادة الإعمار ضمن أجندة الحوار.

* إدماج قضايا المرأة والطفل: اعتماد برامج واضحة للحماية والتمكين والمشاركة المجتمعية.

* تعزيز الشفافية: إتاحة المعلومات حول مخرجات الحوار وما تم تنفيذه، بما يساعد على بناء الثقة العامة.

* احترام خصوصية الولايات والمجتمعات: مراعاة الاختلافات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية عند تصميم البرامج والسياسات.

خاتمة: هل نستطيع أن نجعل الحوار بداية جديدة؟

إن الحوار السوداني ـ السوداني يطرح أمامنا مسؤولية تاريخية تتجاوز حدود الاجتماعات والبيانات، لتصل إلى جوهر العلاقة بين المواطن والوطن، وبين مؤسسات الدولة والمجتمع.

فالوحدة الوطنية لا تتحقق بمجرد توحيد الكتل، وإنما تحتاج إلى عمل مستمر لبناء الثقة، وتصحيح المسارات، وتوسيع المشاركة، ومعالجة جذور الأزمات، وتحويل الرؤى إلى برامج يشعر المواطن بنتائجها.

إن السودان يحتاج إلى حوار يسمع صوت القاعدة كما يسمع صوت القمة، ويضع قضايا الناس في مقدمة الأولويات، ويفتح المجال أمام المرأة والشباب والمجتمعات المتضررة للمشاركة في بناء المستقبل.

فهل نمتلك الإرادة لتحويل الحوار إلى مشروع وطني شامل؟ وهل ننجح في الانتقال من توحيد الكتل إلى توحيد الجهود من أجل وطن يسوده الأمن والسلام والتنمية والعدالة الاجتماعية؟

إن الإجابة لا تُكتب في التوصيات وحدها، بل تُثبتها خطوات العمل، وصدق الالتزام، وقدرة الجميع على وضع مصلحة السودان والمواطن في مقدمة الأولويات.

سلسلة مقالات «على طاولة الوطن» — المقال رقم (4)

بقلم: عاتكة عيسى إبراهيم محمود

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى