دكينيات | دكتور : عصام دكين | لماذا دعوت الى نظام سياسي علماني في السودان؟ (٩).

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكينيات | دكتور : عصام دكين | لماذا دعوت الى نظام سياسي علماني في السودان؟ (٩).
دكينيات(1873)8أغسطس2026م.
دكتور عصام دكين.
* الجدل حول علافة الدين بالدولة مازال قائم.
* الدين الإسلامي هو معتقد ألاهى يعمل على هداية البشر بقيادة محمد صلى الله عليه وسلم.
* ولكن الاحتلال الأوربي للمجتمعات الإسلامية سعى لترسيخ تجربتة في تلك المستعمرات لتكون على نظم مجتمعاته في أوربا التي دخلت منذ عهد التنوير في مواجهة مع الكنيسة وقررت إبعاد الدين من الحياة العامة. فجأت بالعلمانية ومعناها الفلسفي أن الحقائق هي موجودات الزمان والمكان. وبتالى لابد من فصل الدين عن موجودات الزمان والمكان اى عن الحياة العامة.
* العلمانية الأصولية ظالمة فيما تقوله عن عالم الغيب فهو عالم ما وراء الطبيعة مما لا تدركه العقول.
* أما علاقة الدين بالدولة:-
أن العلمانية لم تبلغ هدفها النهائي في الغرب حيث فقد الغرب المجتمع وبناء الدولة ولكنها اصبحت بلا روح والروح هى القيم.
* توصلت اخيرا الدولة العلمانية في الغرب إلى استنتاج هو لابد من وجود عنصر الدين الذى يلعب دوراً مهما في الحياة العامة و الخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية واروبا.
* أصر العلمانين السودانين الذين درسوا في البلدان الغربية العلمانية نقل وتوطين العلمانية في مجتمعاتنا السوداني بطريقتين:-
الطريقة الأولى:- النقل الأعمى من التجربة الغربية الى عالمنا الإسلامي السودان وفشلوا لأن الإسلام ليس فيه سلطة كهنوتية وهو ليس دين كهنوتى.
الطريقة الثانية:- تجارب الحكم الإسلامي في السودان فيها النجاح وفبها الاخفاق والعيوب فى تطبيق السياسة الشرعية الإسلامية مما عرضها للنقد القاسى من قبل العلمانين فى المجتمعات المسلمة والعلمانين السودانين.
* تجربتة الدولة الإسلامية في السودان التى قادتها الحركة الإسلامية كانت تجربة فيها الكثير من الاشكاليات رغم أنها اظهرت قوتها التى نبعت من قدرتها على الصمود في وجه التيار العلماني واليسارى المسلح ومعه دول الجوار والغرب ومع ذلك صمدت تلك التجربة لثلاثين عاما. وصفها حتى بعض قادة التيار الإسلامي التقليدي انه استخدام الدين في الكسب السياسي فهى تجربتان:-
١/ تجربة قوانين سبتمبر (1983م- 1985م) في فترة حكم الرئيس جعفر نميرى واعلان الشريعة الإسلامية.
٢/ وتجربة الحركة الإسلامية (1989م-2019م) حكم الرئيس عمر البشير.
* هذان التجربتان كانتا أرث لنا ككتاب وشباب في الجامعات جاءنا الى الدنيا فى السودان وجدنا تلك التجارب التى اصبحت نقطة انطلاق فكرى مواجهة للعلمانية فتعد تجارب ثرة في تناول علاقة الدين بالدولة مع مراعاة متطلبات التحديث والتأصيل فارتكزنا عليها في تصحيح مسارنا ومستقبلنا في وطننا السودان.
* ظهرت تيارات عديدة فى نظرتها في لعلاقة الدين بالدولة:-
١/ تيارات ترى تقليد دولة الخلافة الراشدة وتطبيق كل الفقه المرتبط بها دون مراعاة الزمان والمكان وهو ما تعرض له كاتب سلسلة دكينيات من نقد جارح.
٢/ تيارات ترى التحديث باستبعاد الدين ونقل العلمانية من التجارب الغربية دون اعتبار لتدين الشعب السوداني بالإسلام، ولا اعتبار بتطور التجربة في الغرب الذى ثار على الدين المسيحي الكهنوتى. والاسلام فيه خطوط عريضة للنظام السياسي والاقتصادى والدبلوماسى….الخ يتطلب تحديث وتجديد ليواكب متطلبات الدولة الحديثة.
٣/ تيارات التوفيقيين الذين يسعون لحل جدلية الأصل والعصر التى تحيط بالواجب وتدرك معطيات الواقع وتزاوج بينهما وهذا التيار نجح وحققة معادلة فى المجتمع السوداني المتنوع واصدر الدكتور حسن عبدالله الترابي والدكتور عصام أحمد البشير الأمام الراحل الصادق المهدى واخرين كتب ومحاضرات عديدة عن جدلية الاصل والعصر.
* العلماني السوداني منذ ان كنا طلاب فى الجامعات فى تسعنيات القرن الماضي وهو مصر (بضم الميم) على نقل الوصفات الجاهزة فى الغرب الى السودان وتطبيقها. مما ادخلنا في دوامة الاستقطاب والاستقطاب المضاد. فكان الهتاف سودان قديم لازم يتحطم وسودان جديد لازم يتعمر علمانية وياى علمانية وياى فكانوا يعتبرون كل من يرفض العلمانية فهو منكفى على الماضي مما ادخلنا فى صراعات صفرية خسر فيها السودان وجعل المتمرد حميدتي يقول إن حربة فى ١٥ ابريل٢٠٢٣م هى ضد الإسلام الرادكالى وهو لا يعرف معنى كلمة راديكالى. لذلك عكفت على سلسلة مقالات جوهر الصراع بين العلمانيين والاسلاميين واليساريين حول النظام السياسي لإيجاد نظام سياسي يجمع كل هذه التيارات في مشروع وطني متفق عليه ليحقق لنا الاستقرار واسميته Secularism Made in Sudan.
* التيارات الحركية الإسلامية و التيارات اللبرالية العلمانية والتيارات اليسارية القومية والعروبية والتيارات الإسلامية العريضة تواجه النظام الراسمالي العلماني وفشلة في تحقيق العدالة والمساواة في العالم وكذلك تصاعد المطالب العالمية بالعلمانية كنظام سياسى للدول مع اتباع الديمقراطية. والديمقراطية التى عادتا ما تاتى بالتيارات الإسلامية عند الشعوب المسلمة و لا يرضا الغرب عنها فيسقطها لأنها لا تتبع النظام السياسي العلماني.
* بعد أحداث سبتمبر 2001م في امريكا التي جيرت الى معادة التيارات والاتجاهات الإسلامية بانها نظم تخرج الإرهابين والهجرة غير الشرعية وغير ذلك من ألاتهامات وجعلت الغرب يوجه ضربات للدول الإسلامية واسقاط حكوماتها باعتبارها حواضن للارهابين فتم ضرب السودان عدة مرات من قبل القواعد الأمريكية والاسرائلية.
* ولكن لم يستمر ذلك الحصار والحرب على المجتمعات المسلمة من الغرب وامريكا وقد حدثت مصالحات مع تلك المجتمعات المسلمة كما حدث مع طالبان أفغانستان.
* حدوث ثلاث ثورات في السودان لم تحدث حتى في الدول الغربية ضد الظلم كنموزج لوجود مؤسسات مجتمع مدني قوية مكنت من حدوث تلك ثورات، أو حدوث انقلابات عسكرية بدعم أجنبي، ولكننا فشلنا في احداث تحول سلمي ديمقراطي في السودان. نتيجة لصراع العلماني اليسارى مع اليمين الاسلامي. ودائما التيار العلماني اليسارى يريد ابعاد الإسلام السياسى. واليمين الإسلامي رافض الحقوق المدنية للعلمانيين واليساريين.
* لقد نجحت الحركة الإسلامية في مقاومة محاولات العلمنة القسرية للشعب السوداني على المستوى الخارجي والسياسي والاقتصادي والاعلامى والاجتماعي والعسكري.
* قاومت الحركة الإسلامية نظام مايو 1969م وشعاراته العلمانية الشيوعية في بدايته، وتم تحويلة الى نظام إسلامي أعلن الشريعة الإسلامية في ١٩٨٣م ومازالت سارية رحمة الله على الشيخ الدكتور حسن عبدالله الترابى. وفشل العلماني الصادق المهدى في إعلانه رفض قوانين سبتمبر 1983م ولكنه قال لا تساوي الحبر الذى كتبت به ولكنها اصبحت ثابتة ثبوت الجبال ومازالت سارية في المحاكم السودانية.
* الخلاصة:.
كيف نبني السودان لكي يسع الجميع؟
السودان منذ استقلاله في يناير١٩٥٦م ظل بوضعه الذي تركه الاستعمار، بل الإدارات الوطنية التي جاءت بعد الاستعمار قامت فقط بتغييرات شكلية. ظلت الإدارة المركزية قائمة إلى يومنا هذا رغم تعدد أنظمة الحكم وتغيير في الجيش وظل البنك المركزي كما هو ونشأت بنوك أخرى ومؤسسات مالية تخدم النخب وظل المنهج التعليمي يعبر عن إنسان الوسط والخرطوم ملىء بثقافة المركز، وتحولت المؤسسات من أداة لخدمة المستعمر إلى أداة لخدمة نخب صغيرة متمركزة في الخرطوم والوسط والشمال. هذه النخبة بنت ثروتها ليس من الإنتاج بل من التحكم في الريع، قطن الجزيرة وصمغ كردفان ومواشي الأطراف والنفط فى كردفان وأعالى النيل سابقا والذهب في دارفور وفي مناطق عديدة في السودان كل ذلك كان يتجمع في المركز الخرطوم ليعاد توزيعه كامتيازات ورواتب ووظائف وبيوت فاخرة للنخب، بينما الأطراف التي تنتج هذه الثروة ظلت بلا مدارس وبلا طرق وبلا مستشفيات. هنا نشأ الانقسام الحقيقي بين مكونات الشعب السوداني وحملت الأطراف السلاح بحثا عن حقوقها.
الصراع ليس بين عرب وزرقة أو أفارقة أو مسلمين ومسيحيين كما صورته الدعاية التى انتجتها النخب الرسمية الفاشلة، بل بين مركز يكدس الثروة ويمتصها ويستمتع بها وهامش ينتج ويهمش أكثر فأكثر. هذا الطريقة هي التي فجرت الحرب مرة أولى ومرة ثانية وثالثة وأخيرا تفجر الصراع في قلب الخرطوم مركز السلطة والقرار السياسي والاقتصادي، وهو سبب كل الحروب في السودان من الشرق إلى دارفور وفي الجنوب سابقا والجنوب الحالي.
* المشكلة في بنية الدولة المركزية القديمة التي كانت تفرض هوية واحدة أحادية على مجتمع متعدد، وتستخدم الدين واللغة كأدوات لإقصاء الآخرين من عقد المواطنة وتبرير احتكارها للسلطة والثروة.
* حرب أبريل ٢٠٢٣م نشأت بسبب تمركز السلطة والثروة في الخرطوم رغم أن مليشيا الدعم السريع تدين بدين المركز وتتحدث لغة المركز ولها ثروة مالية ولكنها استخدمت في تفكيك واحتكار المركز لإعادة توزيع السلطة والثروة بشكل أفقي، بحيث تدار الموارد من حيث تنتج الهامش ويكون للمواطن في جبال النوبة أو البطانة أو دارفور وكردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض نفس امتيازات المواطن في الخرطوم.
* إذن لا بد من بناء اقتصاد منتج لا ريعي يصب في مصلحة النخب.
* إذن لا بد من نقل المدن إلى الريف(الخدمات) أي إلغاء تلك الهوة المصطنعة التي تجعل الخرطوم مضاءة ومكتظة بالخدمات بينما الريف مظلم ومهجور.
* إذن لا بد من علمانية الدولة وديمقراطيتها بمنتوج سوداني، ليس كعداء للدين، بل كشرط لتحريرها وميزة للدولة الحديثة في عالم اليوم فعندما تفرض الدولة دينا واحدا كقانون عام فهي عمليا تقول لجزء كبير من شعبها إنكم مواطنون ليس لكم حقوق دينية غير أن تدخلوا فى دين الإسلام ويظلوا مواطنين من الدرجة الثالثة، وبالتالي تسحب عنهم حقوقهم في الثروة والسلطة.
* إذن لا بد من بناء هوية سودانوية تتجاوز القبلية، هوية قائمة على المصلحة المشتركة جميعاً.
* أن الدولة التي تبنى على إقصاء الآخر وهو أصيل في السودان لا يمكن أن تستقر، مهما بلغت قوتها العسكرية والأمنية أو دعمها الخارجي، وبالتالي تخلق أعدائها في الداخل.
* إن استغلال الموارد الطبيعية وحدها لا تبني السودان من النفط والذهب يمكن أن تبني مدارس ومستشفيات ومصانع إذا تحول إلى استثمار منتج، ويمكن أن تبني قصوراً وجيوشاً خاصة ويمول بها حروباً أهلية إذا بقي ريعاً يتصارع عليه قلة من النخب والعسكريين ولكن يجب أن يوجه العائد فى الاقتصاد الأخضر المستدام.
* السؤال: كيف نبني دولة سودانية تسع الجميع؟ ليس بالشعارات بل بتوزيع عادل لما ننتجه من ثروة وما نملكه؟ الإجابة على هذا السؤال لا تزال هي المفتاح الوحيد لوقف هذه الحروب المستمرة في السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم!
* السودان بلد كبير مترامي الأطراف متعدد الديانات والمعتقدات والثقافات واللغات والاثنيات والعرقيات يحتاج لإدارة حكيمة تحقق العدالة والمساواة للشعب السوداني وهى جزء من الدين أو دين من دين وليس الدين كله نحن في حوجة ماسة لمشروع وطني يتفق فيه العلمانيين والاسلاميين واليساريين والقوميين الأفارقة واللا دينين وكل مكونات الشعب السوداني وماينتج من ذلك المشروع فلنسميه علمانية سودانية Secularism Made in Sudan دون حساسية مع مصطلح علمانية أو إسلامية. فالإسلام أشمل وأوسع من أى منتوج بشري المهم الاستقرار وإيقاف الحرب.
—————————————
سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين دكتور عصام دكين.



