دكينيات | دكتور : عصام دكين | جوهر الصراع بين العلمانيين والاسلاميين واليساريين حول النظام السياسي(5).

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكينيات | دكتور : عصام دكين | جوهر الصراع بين العلمانيين والاسلاميين واليساريين حول النظام السياسي(5).
دكينيات(1863) 4 اغسطس2026م
دكتور عصام دكين.
* ان الاستبداد السياسى (الطاغوت) وسدنتة من فقهاء فتاوى السلطان والكهانة الدينية اى تحالف بين الفهاء والطاغوت انتهى فى كثير من المواقع والاحوال إلى الوان من القهر والكبت والضغط واليأس الذى دفع بالكثير إلى عدم الثقة بالمؤسسة الدينية ،فادى للارتماء والافتتان باليسارية القومية والعروبية والعلمانيه التى تؤسس على فصل الدين عن الدولة والحياة العامة (تحيد الدين ويصبح سلوك شخصي) وولد في الداخل الإسلامي اى في المجتمعات الإسلامية انفجارات ومواجهات مسلحة ظهرت في السودان فى حادثتي الخليفي في مسجد الشيخ ابوذيد محمد حمزة رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية بالثورة الحارة الاولى فى بدايات التسعينيات قتل عبدالرحمن الخليفي الليبي الاصل والجنسية المصلين يوم الجمعة باعتبارهم اهل فقه ولم ينصحوا السلطان. والحادثة الثانية قام بها المدعو عباس الباقر السوداني من قرية الشريف الدسيس بولاية الجزيرة وهو من اسرة صوفيه فى منطقة الجرافة قتل أيضا المصلين بانهم اهل ضلال فى نظره ، كرد فعل وظفت لها الكثير من الأحكام الشرعية واسقطت على غير محلها ، فكانت المخاطر اكبر واشد خاصة عند حكم الافراد بتكفير الحكام واخراجهم من ملة الإسلام الأمر الذى دفع بعض الشباب المتحمس للقيام بمجازفات ومواجهات كانت السبب فى الكثير من البلاوى الذى لحق بالعاملين في الدعوة الإسلامية (نموزج الدواعش)، والتشويه لقيم الإسلام وصورة العمل الإسلامي (فأصبح اى عنف ينتج من أفراد مخبولين اى خطل المخطولين ينتمون للاسلام يوصف بالارهاب ويتم إسقاطه على الإسلام كله مما أدى لانخفاض ظاهرة التدين عند الشباب خوفا من تهمه الإرهاب، والعكس حدث ارهاب وقتل من اناس ليس من ملة الإسلام لكنهم لم يوصفوا بالارهاب).
* لقد اباح بعض الافراد لأنفسهم ان يحلوا محل الدولة واعطوا لأنفسهم الحق فى ممارسة وظائفها وبدوا تسويق اعمالهم بفهم عليل وفقه سقيم وتدين مغشوش للاحكام الشرعية المتعلقة بالحكم واستحقاقاته فوقعوا بما لا يقل سوءا وخطورة عن فتاوي فقهاء السلطان لذلك ذهب الكثير من اهل العلم إلى تحريم الخروج على الحاكم ولو تفاقم انحرافه (لسد الزرايع) خاصة اذا كان الخروج عليه سينتهي بالامة إلى الفوضى بسبب ما يمكن أن يكون من الممارسات الخطيرة للافراد والجماعات الذين اعطوا أنفسهم حق القيام بمهام ووظائف الدولة.( بعد ثورة ديسمبر ٢٠١٨م وابريل ٢٠١٩م ظهرت لجنة التمكين اليسارية العلمانية المتطرفة بعد سقوط نظام الإنقاذ أعطت لنفسها الحق ان تكون هى الشاكي والمتحرى والقاضي الذى يصدر الأحكام حيث لا تسمح بمراجعة الحكم عند القضاء بل حكمها كان نهائيا تحت شعار إزالة التمكين حيث فصل الآلاف واستولت على أموال وممتلكات دون حكم قضائي. كجزء من العدالة الثورية الانتقالية بل كانت مثل محاكم التفتيش فى اوربا فى القرون الوسطي بل تم حبس بعض الأشخاص حتى الموت وآخرين قضوا شهور عديدة في السجون دون توجيه تهمه وآخرين منعوا من مغادرة البلاد للعلاج حتى فقدوا حاسة البصر مثل الاستاذ حسين خوجلي والرحمه للذين توفوا.
* السياسة الشرعية تعني فن الادارة وهى منهج عمل والمنهج يعني علم الطريق الموصل للهدف.
* السياسة الشرعية هى السياسة والاجتهاد المنطلق من القيم الإسلامية فى الكتاب والسنه وتطبيقاته في السيرة والخلافه الراشدة والضابط الأساسي لها ان تكون الأهداف مشروعة والوسائل لتحقيق الأهداف ايضا مشروع.
* السياسة الشرعية لا تقتصر على مؤسسة الحكم وان كانت تتمحور غالبا حولها بشمولية وظائفها ،وإنما هى بشكل عام فقه بالنوازل (الازمات التى تواجه الأمة) والمتغيرات وكيفية التعامل معها من خلال مرجعية شرعية واجتهاد ياخذ باعتبار ظروف الزمان والمكان وموازنة المصالح والمفاسد التى تتطور وتتغير وتتطلب الاجتهاد لمواجهة المتغيرات والحوادث الجديدة، التى لا تنتهى.
* حيث لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان
* ان السياسة الشرعية فى بعض جوانبها وموضوعاتها من فقه النوازل(الازمات) الذى يتطلب فهما للنص ومقاصدة وفهما للواقع ومكوناته وعلما بالممكن والمستطاع فى توضيح او بيان حدود التكليف.
* الخلاصة:.
كيف نبني السودان لكى يسع الجميع؟
السودان منذ استقلاله في يناير١٩٥٦م ظل بوضعه الذى تركه الاستعمار، بل الادارات الوطنية التى جأت بعد الاستعمار قامت فقط بتغييرات شكلية. ظلت الإدارة المركزية قائمة إلى يومنا هذا رغم تعدد انظمة الحكم وتغيير في الجيش وظل البنك المركزى كما هو ونشأت بنوك أخرى ومؤسسات مالية تخدم النخب وظل المنهج التعليمي يعبر عن انسان الوسط والخرطوم ملى بثقافة المركز، وتحولت المؤسسات من أداة لخدمة المستعمر إلى أداة لخدمة نخب صغيرة متمركزة فى الخرطوم والوسط والشمال. هذه النخبة بنت ثروتها ليس من الإنتاج بل من التحكم في الريع، قطن الجزيرة وصمغ كردفان ومواشى الاطراف والنفط فى كردفان واعالى النيل سابقا والذهب فى دارفور وفى مناطق عديدة فى السودان كل ذلك كان يتجمع في المركز الخرطوم ليعاد توزيعه كامتيازات ورواتب ووظائف وبيوت فاخرة للنخب، بينما الأطراف التي تنتج هذه الثروة ظلت بلا مدارس وبلا طرق وبلا مستشفى. هنا نشأ الانقسام الحقيقي بين مكونات الشعب السوداني وحملت الاطراف السلاح بحثا عن حقوقها.
الصراع ليس بين عرب وزرقة او أفارقة أو مسلمين ومسيحيين كما صورته الدعاية التى انتجتها النخب الرسمية الفاشلة، بل بين مركز يكدس الثروة ويمتصها ويستمتع بها وهامش ينتج ويهمش اكثر فاكثر. هذا الطريقة هى التى فجرت الحرب مرة أولى ومرة ثانية وثالثة واخيرا تفجر الصراع فى قلب الخرطوم مركز السلطه والقرار السياسي والاقتصادى، وهو سبب كل الحروب فى السودان من الشرق إلى دارفور وفى الجنوب سابقا والجنوب الحالى.
* المشكلة في بنية الدولة المركزية القديمة التى كانت تفرض هوية واحدة أحادية على مجتمع متعدد، وتستخدم الدين واللغة كأدوات لإقصاء الآخرين من عقد المواطنة وتبرير احتكارها للسلطة والثروة.
* حرب أبريل ٢٠٢٣م نشأت بسبب تمركز السلطة والثروة فى الخرطوم رغم أن مليشيا الدعم السريع تدين بدين المركز وتتحدث لغة المركز ولها ثروة مالية ولكنها استخدمت فى تفكيك واحتكار المركز لإعادة توزيع السلطة والثروة بشكل أفقي، بحيث تدار الموارد من حيث تنتج الهامش ويكون للمواطن في جبال النوبة أو البطانة أو دارفور وكردفان والنيل الازرق والنيل الابيض نفس امتيازات المواطن في الخرطوم.
* اذن لابد من بناء اقتصاد منتج لا ريعي يصب فى مصلحة النخب.
* اذن لابد من نقل المدن إلى الريف(الخدمات) أي إلغاء تلك الهوة المصطنعة التي تجعل الخرطوم مضاءة ومكتظة بالخدمات بينما الريف مظلم ومهجور.
* اذن لابد من علمانية الدولة وديمقراطيتها بمنتوج سوداني، ليس كعداء للدين، بل كشرط لتحريرها وميزة للدولة الحديثة في عالم اليوم فعندما تفرض الدولة دينا واحدا كقانون عام فهي عمليا تقول لجزء كبير من شعبها إنكم مواطنون ليس لكم حقوق دينية غير ان تدخلوا فى دين الإسلام ويظلوا مواطنين من الدرجة الثالثة، وبالتالي تسحب عنهم حقوقهم في الثروة والسلطة.
* اذن لابد من بناء هوية سودانوية تتجاوز القبلية، هوية قائمة على المصلحة المشتركة جميعاً.
* أن الدولة التي تبنى على إقصاء الاخر وهو اصيل فى السودان لا يمكن أن يستقر السودان، مهما بلغت قوته العسكرية والأمنية أو دعمه الخارجي، وبالتالي تخلق أعدائها في الداخل.
* أن استغلال الموارد الطبيعية وحدها لا تبني السودان من النفط والذهب يمكن أن تبني مدارس ومستشفيات ومصانع إذا تحول إلى استثمار منتج، ويمكن أن تبني قصوراً وجيوشاً خاصة ويمول بها حروباً أهلية إذا بقي ريعاً يتصارع عليه قلة من النخب والعسكريين ولكن يجب أن يوجه العائد فى الاقتصاد الأخضر المستدام.
* السؤال: كيف نبني دولة سودانية تسع الجميع؟ ليس بالشعارات بل بتوزيع عادل لما ننتجه من ثروة وما نملكه؟ الإجابة على هذا السؤال لا تزال هي المفتاح الوحيد لوقف هذه الحروب المستمرة في السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم!
* السودان بلد كبير مترامى الأطراف متعدد الديانات والمعتقدات والثقافات واللغات والاثنيات والعرقيات يحتاج لإدارة حكيمه تحقق العدالة والمساواة للشعب السوداني وهى جزء من الدين أو دين من دين وليس الدين كله نحن في حوجة ماسة لمشروع وطني يتفق فيه العلمانيين والاسلاميين واليساريين والقوميين الأفارقة واللادينين وكل مكونات الشعب السوداني وماينتج من ذلك المشروع فلنسميه علمانية سودانية Secularism Made in Sudan دون حساسية مع مصطلح علمانية او اسلامية. فالإسلام أشمل وأوسع من أى منتوج بشري المهم الاستقرار وإيقاف الحرب.
—————————————
سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين دكتور عصام دكين.



