مقالات وكتاب

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي | مسرح الظل في حرب السودان

صوت الشارع

مقالات وكتاب

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي | مسرح الظل في حرب السودان

فرض مجلس الأمن الدولي الثلاثاء عقوبات على القوني حمدان دقلو وثلاثة مرتزقة كولومبيين، على خلفية أدوار في تسليح مليشيا الدعم السريع وتجنيد مقاتلين أجانب، ضمن تحرك قادته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. وتأتي هذه الخطوة في سياق حربٍ مستعرة منذ أبريل 2023، وصفها مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك بأنها تُخاض بالوكالة لصالح أطراف خارجية طمعًا في موارد السودان.

في هذا المقال، نقارب دلالات القرار عبر تفكيك الوزن الحقيقي للقوني حمدان، ومدى تأثيره في شبكات التمويل والتسليح، بوصف ذلك مدخلًا لقراءة البنية الخفية التي تُدير “مسرح الظل” في هذه الحرب .

بحسب ما أوردته مصادر أممية وإعلامية “رويترز” ، فإن لجنة الجزاءات التابعة لمجلس الأمن أدرجت القوني حمدان دقلو، المسؤول عن ملف المشتريات في قوات الدعم السريع، إلى جانب ثلاثة مواطنين كولومبيين، على قائمة العقوبات، بتهم تتعلق بتجنيد ونقل مقاتلين أجانب والمساهمة في تأجيج النزاع. وشملت الإجراءات حظر السفر وتجميد الأصول، ضمن إطار آليات لجنة العقوبات الخاصة بدارفور.

لكن خلف هذا الإجراء، يظل السؤال الأكثر واقعية من حدود القرار : هل تعكس هذه العقوبات مراكز النفوذ الحقيقية داخل الحرب، أم أنها تكتفي باستهداف الوجوه الظاهرة على خشبة المسرح، فيما تتوارى خلف الكواليس أدوار اكثر تأثير لفاعلين متعددين، محليين وإقليميين ودوليين؟

من المعلوم أن القوني دقلو ارتبط اسمه بملف الإمداد والتسليح عبر شبكات تجارية وواجهات اقتصادية، يُعتقد أنها تؤمّن احتياجات المليشيا العسكرية واللوجستية. لكن هذا الدور لا يعني أنه مركز القرار، بقدر ما يكشف أن هذه الحرب لا تُدار من جهة واحدة، بل عبر شبكة من الفاعلين تتوزع بينهم الأدوار، وفق مصالح متداخلة أكثر من كونها قيادة موحّدة.

وهذا ما يجعل العقوبات في ظاهرها، كأنها تستهدف أفرادًا بعينهم، بينما يفترض أن تلامس في عمقها أطراف شبكة أوسع يصعب الإمساك بكل خيوطها دفعة واحدة. لأن هذا النمط من النزاعات يتراجع فيه مفهوم “الفاعل الفرد” لصالح ما يُعرف بـ“الفاعل الشبكي”، حيث تتوزع الأدوار بين التمويل والتجنيد والنقل والإسناد السياسي والإعلامي، بما يجعل من الصعب الفصل بين من يخطط ومن ينفذ، أو بين من يدير ومن يُدار.

وتشير تقارير دولية إلى أن الحرب في السودان لم تعد محصورة داخل حدوده الجغرافية، بل باتت جزءًا من شبكة إقليمية، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية، ومسارات تهريب السلاح، ونقل المقاتلين عبر وسطاء وشركات خاصة. هذا التحول يعكس انتقال النزاع من مواجهة تقليدية إلى بنية هجينة تتداخل فيها الجغرافيا مع الاقتصاد مع التأثير السياسي.

وفي هذا السياق ، يُعد تجنيد مقاتلين أجانب، من بينهم عناصر من أمريكا اللاتينية، أو الإمداد بالسلاح، مؤشرًا على تورط العديد من الأطراف، ذلك بحسب تقارير دولية. وهذا الاتساع يتجاوز حدود القدرات الفردية المنسوبة للقوني حمدان، بما يعزز فكرة أن ما يجري لا يمكن اختزاله في شخص واحد، بل هو نتاج شبكات معقدة، تتداخل فيها أدوار التمويل والتنسيق وصناعة القرار. وبهذا المعنى، لم تعد القوة العسكرية حكرًا على الجيوش النظامية، بل دخلت إليها دول وسيطة أعادت تشكيل بنية الحرب.

غير أن مسار العقوبات الدولية غالبًا ما يتجه نحو الواجهات الأكثر ظهورًا، بينما تبقى البنى الضالعة خارج الاستهداف المباشر. ويعكس ذلك محدودية المقاربة التي تركز على الأفراد دون تفكيك الشبكات التي تنتج الفعل. وفي هذا السياق، تشير تحقيقات وتقارير إلى شبكات عابرة للحدود تتداخل فيها عمليات التمويل والتجنيد والنقل، بما يعكس اتساع دائرة التأثير خارج الإطار السوداني، وتحول الأزمة إلى ملف إقليمي ودولي شديد التعقيد.

وفي هذا الإطار، لم تعد الإشارات إلى البعد الإقليمي والدولي مجرد قراءات سياسية، بل تستند إلى تقارير وثّقت مسارات دعم مباشرة للصراع عبر فضاءات إقليمية مجاورة. وتشير مواد منشورة في عدد من وسائل الإعلام الموثوقة إلى تداخل مسارات لوجستية وداعمة يُشار فيها إلى أدوار تمتد من الإمارات إلى أوغندا عبر جنوب السودان، إلى جانب تقارير أخرى عن توظيف مناطق حدودية في إثيوبيا كنقاط عبور، بما يؤكد امتداد الحرب خارج الجغرافيا السودانية واتساع نطاقها العملياتي.

مجمل هذه المؤشرات لا يقدّم حكماً نهائياً، لكنه يكشف عن “حيّز خلفي” تتقاطع فيه المصالح وتتحرك عبره موارد الحرب بما يزيد اشعالها.

في هذا المشهد بحسب #وجه_الحقيقة، تبدو هذه العقوبات، رغم أهميتها السياسية، أقرب إلى إدارة لتعقيد الأزمة منها إلى تفكيك بنيتها الأساسية. فهي تمس أطرافًا ظاهرة، بينما تبقى مراكز الثقل الأكثر تأثيرًا خارج المشهد. وهكذا لا يظهر اسم القوني حمدان إلا كإشارة داخل منظومة أوسع تتوزع فيها الأدوار خلف الستار، في ما يمكن وصفه بـ“مسرح الظل” الذي تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، ويعاد فيه إنتاج الحرب في الكواليس.

دمتم بخير وعافية.

السبت 2 مايو 2026 م Shglawi55@gmail.com

#مسرح_الظل_في_السودان

#حرب_السودان_وتشابكات_الخارج

#شبكات_التمويل_والسلاح

#الدعم_السريع_وتجنيد_المرتزقة

#العقوبات_الدولية_على_السودان

#القوني_حمدان_دقلو

#الحرب_بالوكالة_في_السودان

#الأمم_المتحدة

#السودان_بين_السياسة_والسلاح

#وجه_الحقيقة_إبراهيم_شقلاوي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى