مقام العودة ( ١٨ ) عثمان عربي | حيث لا انا

مقام العودة ( ١٨ ) عثمان عربي | حيث لا انا
المدينة المنورة
لا يبدأ الطريق من قدم
بل من قلب يتذكر اسما قديما
اسما يضيء حين يهمس به المسافر
المسجد النبوي
هناك
حين تقترب
تخفف روحك من ضجيجها
كأنك تخلع زمنا كاملا
وتدخل في زمن لا يقاس الا بالسكينة
تمشي
ولا تدري
اهو الشوق الذي يقودك
ام ذاكرة لم تعشها
ولكنها تسكنك منذ البدء
عند السلام
امام قبر النبي محمد
تتوقف اللغة
وتنحني المعاني
ويصير القلب وحده القادر على الكلام
يا رسول الله
لا تقال هنا كجملة
بل كبحر يعود الى اصله
تخرج من ذاتك
وتدخل في حضور
خفيف
عميق
كأنه نور لا يرى
لكنه يريك
ثم تمضي
الى بقعة
قالوا عنها روضة
لكنها في داخلك جنة مؤجلة
الروضة الشريفة
هناك
الصلاة ليست افعالا
بل انكسار جميل
كأنك تضع قلبك على الارض
وتقول خذه يا الله
كما هو
بكل ما فيه
تتسع اللحظة
حتى تصير عمرا
وتضيق الدنيا
حتى تصير سجدة
ومن الروضة
تخرج خفيفا
كأنك ولدت من جديد
او كأنك تذكرت من تكون
تمضي الى الطرق القديمة
حيث لا تزال الخطى الاولى محفوظة في التراب
مسجد قباء
هنا
اول صلاة قامت كجسر بين السماء والارض
هنا
البداية التي لا تزال مستمرة
وفي مسجد القبلتين
تتعلم كيف يتحول الاتجاه
حين يأتي اليقين
وكيف يصير القلب قبلة اذا صدق
تصعد النظر
نحو جبل احد
جبل لا يشبه الجبال
يقف كحارس للذاكرة
يحفظ اسماء من مروا
ومن بقوا
ومن صاروا حكاية لا تنتهي
تقترب
فتسمع الصمت يتكلم
عن يوم كان فيه الحب امتحانا
وكانت التضحية لغة لا تحتاج الى شرح
وعند مقبرة البقيع
تفهم
ان النهاية ليست انطفاء
بل عودة هادئة الى اصل النور
تمشي بين الاسماء
فتشعر انهم لا يزالون هنا
خفيفين
قريبين
كالدعاء
وفي كل زاوية من المدينة
حكاية
وفي كل حجر
اثر يد رفعت يوما الى السماء
المدينة
ليست مكانا تزوره
بل حالة تسكنك
اذا دخلتها مرة
لن تخرج منها ابدا
ستحملها معك
في صوتك حين تدعو
في دمعتك حين تشتاق
في صمتك حين يفيض الكلام
المدينة
هي ان ترى نفسك
اصغر
واصدق
واقرب
هي ان تمشي
ولا تبحث عن الطريق
لان الطريق
هناك
يبحث عنك
عثمان عربي



