وجه الحقيقة | د. إبراهيم شقلاوي | موسكو والخرطوم.. من الوعود إلى المصالح

صوت الشارع
مقالات وكتاب
وجه الحقيقة | د. إبراهيم شقلاوي | موسكو والخرطوم.. من الوعود إلى المصالح
تمثل العلاقات السودانية الروسية، الممتدة على مدى سبعين عاماً، رصيداً مهماً للسودان. حيث اعتبرت زيارة البرهان إلى موسكو فرصة لتعزيز هذه العلاقات وإعادة بناء الشراكة على أساس المصالح المتبادلة، بما يتيح توظيف موارد السودان وموقعه الجيوسياسي في صياغة علاقة تتجاوز الوعود إلى مكاسب وطنية ملموسة، تحفظ استقلال القرار السوداني.
أبرز ما حملته الزيارة أن الرئيس البرهان طرح على موسكو حزمة من الفرص الاستثمارية، شملت الطاقة والتعدين والزراعة والصحة والتعليم. كما اقترح إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، تستفيد منها روسيا في تخزين الوقود والقمح، إلى جانب مشاركة الشركات الروسية في تطوير شبكة السكك الحديدية وبناء سلاسل إمداد لنقل البضائع.
هذه المقترحات جديرة بالدراسة ، فالسودان يطرح موقعاً استراتيجياً يمكن أن يتحول إلى بوابة لوجستية تربط روسيا بالأسواق الأفريقية، وتمنحها منفذاً مهماً على البحر الأحمر، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في حركة التجارة العالمية. كما أن تخزين القمح والوقود في منطقة اقتصادية حرة يمكن أن يخلق قيمة مضافة تتجاوز حدود التبادل التجاري، إذا ارتبط بالموانئ والنقل البحري والسكك الحديدية ومناطق الإنتاج والاستهلاك.
اللافت أن أهمية هذا المقترح تكمن في وضع موارد البلاد في قلب معادلة المصالح، بدلاً من بقائها مزايا جغرافية واقتصادية غير مستثمرة. فالموانئ والمعادن والأراضي الزراعية والنقل تشكل مكونات مشروع اقتصادي متكامل، يمكن أن يعيد للسودان دوره في التجارة الإقليمية والدولية. غير أن من المهم امتلاك الرؤية اللازمة لتحويلها إلى واقع يحقق مصالح البلاد.
وهنا نصل إلى التحدي الأهم، فالمشكلة ليست في غياب الفرص، وإنما في كيفية إدارة الدولة لها. الجهاز التنفيذي لا يعمل بمعزل عن القيادة السياسية، ولذلك فإن نجاح ما طرحه البرهان يرتبط بوجود إرادة سياسية واضحة، وأجهزة تنفيذية تمتلك الخبرة والقدرة على التفاوض والتخطيط والمتابعة، وتستطيع تحويل التفاهمات إلى اتفاقيات، ببرامج زمنية وضمانات قانونية ومؤشرات أداء قابلة للقياس. فالاستثمارات الكبرى تُدار بالمؤسسات.
لكن ثمة مسألة أكثر عمقاً تتعلق بترتيب أولويات الشراكة. فالسودان يخوض حرباً ممتدة، ويواجه تحديات تتصل بأمنه القومي وبقاء مؤسساته وقدراته الدفاعية. وفي مثل هذه الظروف، يصعب فصل التعاون الاقتصادي عن الاعتبارات الأمنية والعسكرية. فالشركات التي ستستثمر في التعدين والطاقة والموانئ تحتاج إلى بيئة آمنة، ومشروعات البنية التحتية تحتاج إلى استقرار سياسي وأمني يضمن استمراريتها.
من هنا فإن الحديث عن الشراكة الاستراتيجية ينبغي ألا يتوقف عند الاستثمار في الذهب والنحاس أو إنشاء مخازن للقمح والوقود، بل يمتد إلى بناء تعاون دفاعي وأمني واضح، يشمل تطوير قدرات الجيش السوداني، ونقل التكنولوجيا، والتدريب، والصناعات الدفاعية، وتأمين المنشآت الحيوية والبنية التحتية بالنظر الي حرب المسيرات الإقليمية. فالتكامل بين الأمن والتنمية يعتبر شرط أساسي لحماية المصالح الاقتصادية واستدامتها.
وفي هذا السياق، يعود ملف القاعدة البحرية الروسية على البحر الأحمر إلى واجهة النقاش، باعتباره أحد أبرز الملفات التي ارتبطت تاريخياً بمفاوضات البلدين. وهو ملف لا يحتمل المعالجة المؤقتة، بل يحتاج إلى حسم سياسي وقانوني يستند إلى تقدير المصالح الوطنية، بالنظر إلى أنه قرار مهم تتجاوز انعكاساته حدود التعاون العسكري إلى أمن البلاد وموقعها في معادلات البحر الأحمر، وطبيعة علاقاتها الإقليمية والدولية.
لذلك ليس من الحكمة أن يتخذ السودان قراراته تحت ضغط المخاوف الأمريكية أو حسابات حلفاء واشنطن في المنطقة. فروسيا مثل بقية القوى الدولية، تتحرك وفق مصالحها، والسودان مطالب بأن يفعل الشيء نفسه. المطلوب هو صياغة معادلة تحقق المصالح المتبادلة، وتحفظ القرار الوطني، وتضمن ألا تتحول الموانئ أو الموارد أو الترتيبات العسكرية إلى التزامات تنتقص من حرية الدولة في إدارة علاقاتها الاقليمية والدولية .
واللافت أن بوتين أبدى الاستعداد للتعاون، كذلك تحدث عن خارطة طريق لتطوير العلاقات، وأشار إلى ضرورة إزالة المعوقات، وأبدى استعداد الشركات الروسية للدخول في شراكات في الطاقة والزراعة والمعادن والتعليم. كما أكد دعم بلاده للاستقرار ووقف الحرب وتحقيق السلام. وهذه إشارات سياسية مهمة، عند الانتقال من التفاهمات إلى العقود و التنفيذ.
ومن زاوية #وجه_الحقيقة، فإن أهمية التقارب مع موسكو تكمن في قدرة السودان على توظيف موقعه الجيوسياسي لتعزيز مصالحه الوطنية، وتوسيع خياراته الاقتصادية، وتطوير قدراته الدفاعية. فالسودان دولة تملك من الجغرافيا والموارد ما يؤهلها لتكون شريكاً فاعلاً في صياغة مصالحها.
لذلك لن تُقاس حصيلة زيارة البرهان بما حملته من وعود، بل بما ستنجزه الدولة من اتفاقات ومشروعات تنقل العلاقة من التقارب السياسي إلى المصالح المتبادلة. فامتلاك الموقع الاستراتيجي وحده لا يصنع النفوذ، ما لم تسنده رؤية وطنية مستقلة تحسن إدارة هذه المزايا الجيوسياسية .
دمتم بخير وعافية
الأحد 1 نوفمبر 2026 م. Shglawi55@gmail.com
#موسكو_والخرطوم #العلاقات_السودانية_الروسية #السودان #روسيا #البرهان #البحر_الأحمر #الشراكة_الاستراتيجية #المصالح_الوطنية #الأمن_القومي #الاستثمار_في_السودان



