شخصيات سودانيةمن رفاعة

من رفاعة | توثيق : أسعد أبو زيد | الأستاذ عبدالمجيد إبراهيم عبدالمجيد (عمو)

صوت الشارع

شخصيات سودانية

 

من رفاعة | توثيق : أسعد أبو زيد | الأستاذ عبدالمجيد إبراهيم عبدالمجيد (عمو)

🖤 من ذاكرة رفاعة: قاماتٌ لا تنساها الذاكرة 🖤

الأستاذ عبدالمجيد إبراهيم عبدالمجيد (عمو)

معلّم الأجيال، وصاحب القلم، ورجل العلم والنظام والمسؤولية

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
صدق الله العظيم.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

رحل الأستاذ عبدالمجيد إبراهيم عبدالمجيد (عمو)، وبقيت سيرته حاضرةً في ذاكرة تلاميذه وزملائه وأهله ومحبيه، وبقي اسمه شاهداً على جيلٍ من المعلّمين الذين لم يجعلوا التعليم مجرد مهنةٍ يتكسبون منها، بل رسالةً يؤدونها بإخلاص، وأمانةً يحملونها في أعناقهم، وعهداً يوفون به تجاه المجتمع والأجيال.

لقد كان رحيله فاجعةً موجعةً لمدينة رفاعة، ولأسرته، ولرفاق دربه في ميدان التربية والتعليم، ولأولئك الذين عرفوه معلّماً ومربياً وصديقاً وصاحب خلقٍ كريم.

وفي سيرته تتلاقى ذكريات الفصول الدراسية مع شهادات الوفاء، وتتداخل صورة المعلّم المتقن مع صورة الإنسان البشوش المتواضع، الذي احترم الناس فأحبوه، وأخلص في عمله فحفظوا له الجميل، وترك في نفوس تلاميذه أثراً امتد إلى ما بعد سنوات الدراسة.

—
✦ أولاً: رفاعة، مدينة العلم والمعرفة ✦

حين نكتب عن الأستاذ عبدالمجيد إبراهيم عبدالمجيد (عمو)، فإننا نستحضر معه مدينة رفاعة، هذه المدينة السودانية العريقة التي ارتبط اسمها بالعلم والمعرفة، واحتلت مكانةً رائدةً في تاريخ التعليم بالسودان، ولا سيما تعليم المرأة، بفضل روادها ومصلحيها ومعلّميها الذين آمنوا بأن نهضة المجتمعات تبدأ من المدرسة، وأن بناء الإنسان هو أعظم استثمارٍ في المستقبل.

رفاعة ليست مجرد مدينةٍ تسكن الذاكرة، بل هي ذاكرةٌ تربويةٌ حيّة، ومنارةٌ أضاءت دروب المعرفة، وبيئةٌ أنجبت أجيالاً من المعلمين والمربين والمثقفين الذين حملوا رسالتها إلى مختلف أرجاء السودان.

ومن هنا، فإن الحديث عن أحد معلّميها المخلصين ليس حديثاً عن شخصٍ وحده، بل هو استعادةٌ لمرحلةٍ من تاريخ التعليم، وتوثيقٌ لجهود رجالٍ ونساءٍ أسهموا في بناء العقول، وتهذيب النفوس، وترسيخ قيم الانضباط والمسؤولية وحب المعرفة.

لقد أدرك رواد التعليم في رفاعة أن العلم ليس حفظاً للمعلومات فحسب، وإنما وسيلةٌ لصناعة الوعي، وتوسيع المدارك، وإعداد الإنسان القادر على التفكير والعمل وخدمة مجتمعه.

وفي هذه المسيرة التربوية، يبرز اسم الأستاذ عبدالمجيد (عمو) بوصفه واحداً من المعلّمين الذين تركوا بصمتهم في حياة تلاميذهم، وأصبح ذكرهم مناسبةً لاستعادة فضل المعلم ومكانته في المجتمع.

—
✦ ثانياً: معلّمٌ جاب ميادين المعرفة ✦

عمل الأستاذ عبدالمجيد في ميادين المعرفة، وجاب معظم مدارس المرحلة المتوسطة والأساس بشرق الجزيرة، معلّماً للرياضيات والعلوم والتربية الإسلامية.

وقد جمع عمله بين موادٍ تتكامل في بناء شخصية المتعلم؛ فالرياضيات تعلّم الدقة والترتيب والاستدلال، والعلوم توسّع آفاق الملاحظة والبحث والتجربة، أما التربية الإسلامية فتغرس القيم والمبادئ، وتعزز المسؤولية وحسن السلوك.

وهكذا لم تكن رسالته مقتصرةً على تدريس مادةٍ بعينها، بل امتدت إلى تنمية العقل، وبناء الشخصية، وترسيخ احترام العلم والعمل.

وقد كان من تلاميذه من تلقوا العلم على يديه في مدرسة الشيخ الطيب النموذجية، حيث عمل مديراً للمدرسة، ومنهم من عرفوه معلّماً للعلوم والرياضيات في مدرسة نفيسة عوض الكريم العامة.

وهذه المحطات، كما ترويها شهادات تلاميذه، تكشف عن اتساع ميدان عمله وتعدد الأجيال التي ارتبطت به تربوياً وتعليمياً.

ولم يكن أثره محصوراً في تلاميذ مدرسةٍ واحدة، بل امتد عبر مدارس شرق الجزيرة، حيث أسهم في تعليم أجيالٍ مضى كثيرٌ من أبنائها إلى مجالاتٍ مختلفة، وأصبح بعضهم علماء ومتخصصين في ميادين متعددة.

وهنا تتجلى عظمة رسالة التعليم؛ فالمعلّم قد يدرّس تلميذاً لسنواتٍ محدودة، لكنه يسهم في تشكيل عقلٍ يظل يتعلم ويعمل وينتج طوال حياته.

إن المعلم لا يُقاس أثره بعدد الدروس التي قدّمها فحسب، بل بعدد العقول التي ساعدها على النمو، والقيم التي غرسها، والأجيال التي شاركت في بناء المجتمع.

—
✦ ثالثاً: الرياضيات عند عمو… أناقة العقل قبل أناقة الكراسة ✦
من أبلغ الشهادات التي وردت في حق الفقيد ما كتبه أحد محبيه، موضحاً أثره العميق في تلاميذه:
«أستاذ فعلاً يا أحمد، بدرجة التأثير الخالد المزمن على طلابه. أستاذ عبدالمجيد (عمو) يعني النظافة… يعني النظام… يعني الترتيب… يعني المسؤولية.
أنظف كراسة كانت الرياضيات؛ قمة الأناقة في ترتيب المسألة، إلى علامة يساوي، والمطلوب إثباته».
يا لها من شهادةٍ تختصر جانباً مهماً من شخصيته التربوية!
ففي كراسة الرياضيات التي يتحدث عنها صاحب الشهادة، لم تكن المسألة مجرد أرقامٍ وعملياتٍ حسابية، بل كانت درساً في احترام العمل، والدقة في الأداء، وحسن التنظيم، والالتزام بالمنهجية.

كان ترتيب المسألة من بدايتها حتى الوصول إلى المطلوب إثباته تعبيراً عن عقلٍ يحترم خطوات التفكير، وعن معلّمٍ يدرك أن النظام ليس زينةً شكلية، بل أساسٌ من أسس الفهم الصحيح.

والنظافة عند المعلّم ليست مظهراً خارجياً وحده، بل سلوكٌ يعكس احترام الذات والآخرين والمكان. والترتيب ليس مجرد تنسيقٍ للدفاتر، بل عادةٌ ذهنيةٌ تساعد على تنظيم الأفكار. والمسؤولية ليست شعاراً، بل التزامٌ يوميٌّ بأداء الواجب على الوجه الأكمل.

ولهذا لم يذكر صاحب الشهادة اسم عمو وحده، بل ربطه مباشرةً بمعانٍ تربويةٍ واضحة: النظافة، والنظام، والترتيب، والمسؤولية.
وما أعظم أن يتحول اسم المعلم في ذاكرة تلاميذه إلى رمزٍ لهذه القيم!
إنها تربيةٌ بالممارسة، قبل أن تكون تربيةً بالكلمات؛ فالمعلّم الذي يطالب تلاميذه بالدقة، ويجسدها أمامهم، يترك فيهم درساً قد يبقى معهم مدى الحياة.

—
✦ رابعاً: شهادات التلاميذ… حين يتحدث الأثر ✦

كتب أحد تلاميذه، مستعيداً ذكرياته معه:
«أستاذ فذ، ومن ألمع المعلمين الذين مروا عليّ في حياتي. درسني الرياضيات، وكان مدير مدرستي الشيخ الطيب النموذجية. إنسان تربع على قمة التفاني والإخلاص، خدم مجتمعه بشغف، وعلّم أجيالاً، الكثير منهم الآن علماء في مجالات مختلفة. شخصية فريدة في صفاتها، لا يمكن وصفها بكلمات عادية».

هذه ليست مجرد عبارات إعجابٍ عابرة، بل شهادةٌ من تلميذٍ اختبر أثر المعلم في حياته، واستعاد صورته بعد مرور الزمن، فوجد أن ما بقي في ذاكرته أكبر من المادة التي درسها.

لقد رأى فيه معلّماً فذاً، ومديراً مخلصاً، وشخصيةً متفردةً في صفاتها، وإنساناً جعل من التعليم خدمةً للمجتمع، ومن المعرفة وسيلةً لبناء الأجيال.

وإذا كان بعض التلاميذ قد حملوا من دروس الرياضيات قوانينها ومعادلاتها، فإنهم حملوا أيضاً دروساً في النظام والدقة والانضباط، وهي قيمٌ قد لا تُكتب في صفحات المنهج، لكنها تُحفظ في الذاكرة وترافق الإنسان في حياته العملية.

شهادةٌ أخرى من مدرسة نفيسة عوض الكريم العامة
وجاءت شهادةٌ أخرى من أحد تلاميذه الذين درسوا على يديه العلوم والرياضيات في مدرسة نفيسة عوض الكريم العامة، قال فيها:

«كان معلّم علوم ورياضيات، درسنا في نفيسة عوض الكريم العامة، كان بشوشاً ضاحكاً، متفانياً مخلصاً في عمله».

وتحمل هذه الكلمات صورةً إنسانيةً محببةً للفقيد؛ فهو لم يكن صاحب جديةٍ وانضباطٍ فحسب، بل كان بشوشاً، ضاحكاً، حسن الحضور، يجمع بين الالتزام في العمل والروح الطيبة في التعامل.

وهذا التوازن من صفات المعلّم الناجح؛ إذ لا تتعارض الجدية مع البشاشة، ولا يناقض الانضباط حسن المعشر، بل إن اجتماعها يجعل البيئة التعليمية أكثر إنسانيةً وطمأنينةً، ويقرب المعلم من تلاميذه دون أن ينتقص ذلك من هيبته أو مكانته.

وقد ختم صاحب الشهادة دعاءه سائلاً الله أن يرحمه رحمةً واسعةً، وأن يجعل البركة في زوجته وابنته.

شهادة فدوى أبونوره
وكتبت فدوى أبونوره داعيةً للفقيد بالرحمة، وواصفةً إياه بأنه:
«معلم متفانٍ سجل نفسه في تاريخ الخالدين من حملة مشاعل العلم والتنوير في رفاعة والسودان».
إنها عبارةٌ تضع الفقيد في سياق رسالته الكبرى؛ رسالة المعلمين الذين يحملون مشاعل العلم والتنوير، ويسهمون في تقدم مجتمعاتهم، ويتركون أثراً يتجاوز حدود المدرسة والجيل الواحد.

فالمعلم المتفاني لا يمنح طلابه المعرفة وحدها، بل يمنحهم مثالاً في الالتزام، ويزرع فيهم تقدير العلم، ويؤكد لهم أن خدمة المجتمع تبدأ من إتقان العمل مهما بدا بسيطاً.
—
✦ خامساً: عمو الإنسان… الخلق الحسن وطيب المعشر ✦
ومن أعمق الشهادات التي وردت في رثاء الفقيد، شهادةٌ عبّر فيها أحد محبيه عن حزنه لفقد أخيه العزيز، قائلاً:
«لله ما أعطى ولله ما أخذ، وكل شيء عنده بأجل مسمى».

ثم مضى معزياً نفسه وأهله ومدينة رفاعة المكلومة، وبصفةٍ خاصةٍ أسرة المربين الأوفياء، في رحيل أخيهم العزيز، المربي والمعلم والأستاذ المخلص عبدالمجيد إبراهيم (عمو).

ووصفه بأنه كان مثالاً ونموذجاً يُحتذى به في السلوك القويم والخلق الحسن، وأن مجالسته لا ينتابك فيها الملل، فلم يسمع منه غير الكلمة الطيبة والقول الحسن.
كما استعاد رفعة قدره ومكانته، واحترامه لنفسه وللآخرين، وبشاشته وحفاوته وتقديره لمن يزوره في بيته.

إن هذه التفاصيل اليومية تكشف جانباً مهماً من شخصية الفقيد؛ فمكانة الإنسان لا تُصنع داخل قاعات الدرس وحدها، بل تتجلى أيضاً في بيته، وفي علاقاته، وفي طريقة استقباله للناس، وفي احترامه لمن حوله.

لقد كان عمو، وفق هذه الشهادة، خير الرفيق والصديق، حسن الخلق، طيب الحديث، كريم الاستقبال، وهي خصالٌ تجعل المحبة التي نالها مفهومةً وممتدةً بين الأجيال.

فكم من إنسانٍ يحفظ الناس علمه، لكنهم لا ينسون أخلاقه؛ وكم من معلّمٍ يظل حاضراً في الذاكرة لا بسبب ما شرحه فحسب، بل بسبب ما أظهره من احترامٍ ورحمةٍ وتواضعٍ وحسن معاملة.

ولهذا فإن رثاء عمو لا يكتمل بذكر مسيرته المهنية وحدها، بل لا بد من حفظ هذه الصورة الإنسانية التي شهد بها من عاشروه وعرفوه.

فالعلم يرفع قدر صاحبه، والخلق الحسن يفتح له قلوب الناس، وإذا اجتمعا في إنسانٍ واحدٍ كان أثره أعمق وأبقى.
—
✦ سادساً: لماذا شبّهه بعض عارفيه بفلاسفة الإغريق؟ ✦

إن التشبيه بفلاسفة الإغريق لا ينبغي أن يُفهم بالضرورة على أنه مساواةٌ بين الفقيد وأعلام الفلسفة القديمة من حيث التخصص أو الشهرة التاريخية، وإنما يمكن فهمه بوصفه تعبيراً عن إعجاب عارفيه بعقله وطريقته في التفكير، وتقديرهم لصلته بالعلم والمعرفة.

لقد اشتهر فلاسفة الإغريق، ومنهم سقراط وأفلاطون وأرسطو، بطرح الأسئلة، ومناقشة الأفكار، والبحث عن الحقيقة، والتأمل في المعرفة والأخلاق والمنطق والإنسان.

وكان سقراط مثالاً للمحاور الذي يستثير التفكير بالأسئلة، بينما ارتبط أفلاطون بالتأمل في المعرفة والفضيلة والعدالة، وعُرف أرسطو باتساع اهتماماته في المنطق والعلوم والفلسفة.

وقد أسهم هؤلاء الفلاسفة في تأسيس تقاليد فكرية أثّرت في الفلسفة والمنطق والعلوم والأخلاق والسياسة، وظلت أفكارهم موضع دراسةٍ ونقاشٍ حتى عصرنا.

أما الأستاذ عمو، فإن شهادات تلاميذه تقدمه بوصفه معلّماً دقيقاً ومنظماً، وصاحب أثرٍ عميقٍ في العقول، وشخصيةً فريدةً في صفاتها، لا يمكن اختزالها في كلماتٍ عادية.

ولعلّ تشبيهه بالفلاسفة جاء تعبيراً عن هذا الإحساس بتميزه، وعن الصورة التي بقيت في أذهان محبيه لمعلّمٍ ارتبط بالقلم والعلم، وظل أثره الفكري والتربوي حاضراً في نفوس تلاميذه.

وتبقى عبارة «مات والقلم في يده» صورةً أدبيةً مؤثرةً عن ملازمة العلم لصاحبه، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تفاصيل اللحظات الأخيرة من حياته. ولذلك فإن الأمانة تقتضي التعامل معها بوصفها تعبيراً عن مكانته في ذاكرة محبيه، ما لم تتوافر شهادةٌ موثقةٌ تشرح المقصود بها حرفياً.

—
✦ سابعاً: الفرق بين الفيلسوف والمعلّم الفذ ✦

إن الفيلسوف يبحث في الأسئلة العميقة، ويفحص الأفكار، ويناقش المفاهيم، ويسعى إلى فهم الحقيقة والمعرفة والإنسان والحياة.

أما المعلّم الفذ فلا يكتفي بنقل المعرفة، بل يصنع العقول، ويهذب النفوس، ويبني الإنسان. إنه يوقظ في تلاميذه شغف السؤال، ويعلّمهم كيف يفكرون، لا ماذا يفكرون فحسب، ويغرس فيهم حب العلم واحترام الحقيقة والقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ.

وإذا كان الفيلسوف يبحث عن الحقيقة، فإن المعلّم الفذ يزرع في العقول بذور البحث عنها، ويصنع من تلاميذه عقولاً قادرةً على التفكير والنقد والإبداع.

فالفيلسوف قد يترك أثراً في تاريخ الأفكار، والمعلّم الفذ يترك أثره في العقول التي تحمل الأفكار إلى المستقبل. وقد يجتمع في إنسانٍ واحد عمق التفكير وحسن التعليم، فتكون رسالته أوسع من حدود التخصص الأكاديمي.

ومن خلال الشهادات الواردة في حق الأستاذ عمو، يمكننا أن نفهم جانباً من هذا التميز؛ فقد تذكره تلاميذه معلّماً فذاً، شديد الدقة والنظام، متفانياً في عمله، ذا أثرٍ خالدٍ في نفوسهم، كما يتذكرونه بشوشاً حسن الخلق، صاحب مسؤوليةٍ وإخلاص.

فهو لم يترك في ذاكرتهم معادلات الرياضيات وحدها، بل ترك معها معنى الترتيب، واحترام الواجب، والعناية بالتفاصيل، والالتزام في العمل.

وهنا تكمن عظمة المعلّم الفذ: أن يجعل من الدرس معرفةً، ومن المعرفة منهجاً للتفكير، ومن المنهج سلوكاً، ومن السلوك قيمةً تستمر مع الإنسان طوال حياته.

ولذلك فإن المقارنة التي أطلقها بعض محبيه لا تكتسب معناها من المبالغة في الوصف، بل من محاولة التعبير عن شخصيةٍ تركت أثراً استثنائياً فيمن عرفوها.

—
✦ ثامناً: رفاعة المكلومة وفاجعة أكتوبر 2024م ✦

لم تكن نهاية حياة الأستاذ عبدالمجيد إبراهيم عبدالمجيد (عمو) نهايةً عاديةً في ذاكرة أهله ومحبيه؛ فقد أوردت شهاداتهم أنه اغتيل غدراً بمدينة رفاعة في أكتوبر 2024م، على يد قوات الدعم السريع، في واقعةٍ أضافت جرحاً جديداً إلى جراح السودان وأهله.

لقد جاءت الفاجعة في زمنٍ قاسٍ، شهد فيه السودان فقدان الأرواح، وتدمير الممتلكات، وتشريد الأسر، وغياب الأمن والاستقرار عن مدنٍ وقرى كثيرة.

وكان من أشد ما يؤلم في هذه المآسي أن تمتد يد العنف إلى إنسانٍ كرّس سنواتٍ من حياته للتعليم، وتنقل بين المدارس، وعلّم الرياضيات والعلوم والتربية الإسلامية، وأسهم في بناء أجيالٍ من أبناء شرق الجزيرة.

إن فقد المعلّم لا يقتصر على أسرته وحدها، بل يمتد إلى تلاميذه وزملائه، وإلى المجتمع الذي خدمه، وإلى ذاكرة المدينة التي احتضنت مسيرته.

ومهما اشتد الحزن، فإن توثيق سيرة الفقيد يظل واجباً من واجبات الوفاء؛ حتى لا تبتلع الحرب أسماء الذين خدموا مجتمعهم، وحتى تبقى سيرتهم شاهدةً على قيمة العلم والمعرفة، وعلى الخسارة التي تصيب المجتمعات حين تفقد أبناءها ظلماً.

رحم الله عمو، وجعل ما قدمه من علمٍ وعملٍ صالحٍ في ميزان حسناته، وحفظ لرفاعة ذاكرتها التربوية، وللسودان أبناءه وبناته، وكتب له الأمن والسلام.
—
✦ تاسعاً: دعوةٌ إلى التلاميذ والزملاء وكل من عرفه ✦

إلى تلاميذ الأستاذ عبدالمجيد (عمو)، وإلى زملائه في ميدان التربية والتعليم، وإلى أهله وأصدقائه ومعارفه، وإلى كل من جمعته به أيام الدراسة أو العمل أو المجالس والزيارات:

هذه دعوةٌ صادقةٌ للمشاركة في توثيق سيرته، وإثراء ذاكرة رفاعة بما لديكم من ذكرياتٍ ومواقف وشهادات.
حدّثونا عن عمو كما عرفتموه؛ عن طيب معشره، وبشاشته، وحسن خلقه، وإخلاصه في عمله، ودقته في تدريس الرياضيات والعلوم، وحرصه على النظام والنظافة والترتيب والمسؤولية.

اذكروا مواقفه داخل الفصول الدراسية، وما كان يميز أسلوبه في الشرح والتوجيه، وما تركه من أثرٍ في حياتكم، وما تعلمتموه منه خارج حدود المنهج والكتاب.
ولزملائه من المعلمين، نرجو أن يرووا ما عرفوه من خصاله المهنية، وما لمسوه من تفانٍ وإخلاصٍ في خدمة مدارس شرق الجزيرة.

أما أسرته وأصدقاؤه، فلديهم جوانب أخرى من سيرته الإنسانية تستحق أن تُحفظ، من مواقفه الطيبة، وعلاقاته الاجتماعية، وكرم تعامله، واحترامه للناس.

لا نريد للذكرى أن تبقى كلماتٍ جميلةً في مقام الرثاء، بل نريدها سيرةً موثقةً تحفظ للأجيال حق هذا المعلّم، وتُعرّفهم برجلٍ أسهم في بناء العقول وغرس القيم.
فكل شهادةٍ صادقة، وكل موقفٍ موثوق، وكل ذكرى ذات دلالة، يمكن أن تضيف صفحةً جديدةً إلى هذه السيرة.

—
✦ عاشراً: الدعاء للفقيد ✦

نسأل الله العلي القدير أن يرحم الأستاذ عبدالمجيد (عمو) رحمةً واسعة، وأن يغفر له، ويعفو عنه، ويكرم نزله، ويوسّع مدخله، ويجعل قبره روضةً من رياض الجنة.

اللهم اجزه عن العلم الذي علّمه، وعن التلاميذ الذين أسهم في تعليمهم وتربيتهم، وعن الجهد الذي بذله في خدمة مدارس شرق الجزيرة، خير الجزاء.

اللهم اجعل علمه النافع، وأثره الطيب، وإخلاصه في عمله، وما غرسه في نفوس تلاميذه من قيمٍ كريمة، في ميزان حسناته.

اللهم ارفع درجته في المهديين، وأحسن عزاء أهله وزوجته وابنته وبارك في ذريته، وألهمهم الصبر والسلوان، واجبر كسرهم، واربط على قلوبهم.
اللهم تقبله في الشهداء والصالحين، واجمعه بالنبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.

اللهم ارحم شهداء السودان جميعاً، واحقن دماء أهله، وأطفئ نار الحرب، واحفظ البلاد والعباد، واكتب للسودان أمناً وسلاماً واستقراراً، واجمع أهله على الخير والحق.
اللهم ارحمه رحمةً تطمئن بها روحه، وتقرّ بها عينه، واجعل ما تركه من علمٍ وخلقٍ وأثرٍ طيبٍ نوراً له في قبره، ورفعةً لدرجته، وسبباً في عظيم مغفرتك ورضوانك.
آمين يا رب العالمين.
—
******
سلامٌ على روحك الطاهرة يا أستاذ عمو.

سلامٌ على قلمٍ ارتبط بالعلم، وعلى يدٍ علّمت الأجيال، وعلى قلبٍ شهد له محبوه بطيب المعشر، وعلى سيرةٍ تستحق أن تبقى في ذاكرة رفاعة.

رحلت، لكن أثر المعلم الفذ لا يرحل؛ لأن ما يزرعه في العقول والقلوب يظل حياً، يتجدد مع كل جيل، ويشهد له بعد غيابه.

رحم الله الأستاذ عبدالمجيد ابراهيم عبدالمجيد (عمو)، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ذكراه باقيةً في سجل الوفاء والعلم والمعرفة.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى