دكينيات | دكتور عصام دكين | تمرد حميدتي.. نزع الخوف وكشف المستور

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكينيات | دكتور عصام دكين | تمرد حميدتي.. نزع الخوف وكشف المستور
دكينيات(2022).
تمرد حميدتي.. نزع الخوف وكشف المستور.
دكتور عصام دكين.
2026/10/10
لم يكن تمرد حميدتي في 15 أبريل 2023 حدثاً عسكرياً عابراً في تاريخ السودان، بل كان زلزالاً سياسياً وأمنياً واجتماعياً كشف هشاشة الدولة، وعرّى تناقضات المشهد السياسي، وأظهر حجم الخطر الذي ظل يتراكم لسنوات تحت مظلة الشراكات والتسويات والحسابات الضيقة.
لقد خلّفت هذه الحرب مآسي إنسانية غير مسبوقة في التاريخ السوداني الحديث؛ قتلاً ونهباً واغتصاباً وتهجيراً قسرياً وتدميراً واسعاً للمنازل والمؤسسات والبنية التحتية. ودفع ملايين السودانيين ثمناً باهظاً من أمنهم واستقرارهم وكرامتهم، فيما وجد الملايين أنفسهم بين النزوح واللجوء وفقدان المأوى ومصادر الرزق.
ومع ذلك، فإن قراءة ما جرى لا تكتمل بمجرد تعداد الخسائر، بل تقتضي مواجهة حقيقة سياسية أساسية:
لقد نزع هذا التمرد الخوف من داخل قطاعات واسعة من السودانيين، وكشف ما ظل مسكوتاً عنه طويلاً.
من رحم الدولة إلى التمرد عليها
لسنوات، ظل السودان يعيش معضلة وجود قوة عسكرية ضخمة تمتلك السلاح والمال والنفوذ، وتتمتع بامتيازات استثنائية داخل بنية الدولة، حتى بات السؤال عن مستقبلها وموقعها من المؤسسة العسكرية سؤالاً مؤجلاً، تحكمه الحسابات السياسية أكثر مما تحكمه مقتضيات بناء الدولة.
نشأت قوات الدعم السريع في سياق سياسي وأمني معقد، ثم جرى تقنين وضعها ضمن مؤسسات الدولة، وتوسعت قدراتها العسكرية والاقتصادية، وأصبحت طرفاً أساسياً في معادلة السلطة. لكن التجربة أثبتت أن وجود قوتين عسكريتين مستقلتين في مركز الدولة يطرح خطراً جوهرياً على وحدة القرار السيادي واحتكار الدولة لاستخدام القوة المسلحة.
كنا نرى التناقض يتسع، والخلافات تتراكم، ومراكز القوة تتعدد، بينما كانت التسويات السياسية تؤجل الأسئلة الصعبة: من يملك قرار الحرب والسلم؟ ومن يخضع لمنظومة القيادة والسيطرة؟ وكيف يمكن بناء دولة مستقرة في ظل تعدد الجيوش ومراكز النفوذ المسلح؟
وجاء الخامس عشر من أبريل 2023 ليضع هذه الأسئلة في قلب الواقع السوداني، ويفجّر أزمة لم تعد تنفع معها لغة المجاملة أو تأجيل الاستحقاقات الوطنية.
لم تعد القضية مجرد صراع على السلطة
قد تختلف التفسيرات السياسية لأسباب اندلاع الحرب ومسؤوليات أطرافها، وقد تتباين المواقف بشأن أداء القيادات العسكرية والسياسية، لكن لا يجوز أن يحجب الجدل حول البدايات حجم الكارثة التي لحقت بالمدنيين، أو أن يحوّل معاناة الشعب إلى مجرد تفصيل في صراع الجنرالات.
إن جوهر الأزمة يتجاوز التنافس على المناصب والنفوذ؛ فهو يرتبط بمستقبل الدولة السودانية نفسها، وبطبيعة المؤسسة العسكرية، وبحق المواطنين في الأمن والعدالة والمواطنة المتساوية.
فالدولة لا تُبنى بتعدد مراكز القوة المسلحة، ولا تستقر حين تصبح المؤسسات رهينة لموازين النفوذ الشخصي أو العائلي أو الاقتصادي. كما أن شرعية أي مشروع سياسي لا تُقاس بالشعارات التي يرفعها، بل بمدى احترامه لحياة المواطنين وحقوقهم، والتزامه بالقانون، وقبوله بالخضوع للمساءلة.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: من ينتصر في معركة السلطة فحسب؟ بل: أي دولة نريد أن تقوم بعد هذه الحرب؟ دولة المؤسسات والقانون، أم دولة السلاح الموازي والولاءات المتنافسة؟
يا مشتركة.. هذه المرة لن نعرد!
هذه العبارة تختصر، في دلالتها الرمزية، جانباً من التحول الذي أحدثته الحرب في وعي قطاعات من السودانيين.
فالقوات المشتركة، بما تمثله من تشكيلات عسكرية مختلفة شاركت في القتال إلى جانب القوات المسلحة في مراحل من الحرب، أصبحت لدى مؤيديها رمزاً للصمود وعدم الاستسلام. غير أن المعنى الأوسع للعبارة يتجاوز التشكيلات العسكرية إلى المواطن السوداني الذي يرفض أن يكون وطنه ساحة مستباحة، أو أن يُترك المدنيون وحدهم في مواجهة العنف والنزوح وانهيار الخدمات.
إن عدم الفرار من المسؤولية الوطنية لا يعني تمجيد الحرب أو التقليل من كلفتها، بل يعني الإصرار على حماية الناس، وصون الأرض، واستعادة مؤسسات الدولة، ورفض أن يتحول السلاح إلى وسيلة لفرض الإرادة السياسية على المجتمع.
لن نتراجع عن مواجهة الحقيقة، ولن نقبل أن يصبح الخوف قاعدة تحكم علاقتنا بوطننا.
لن نقبل أن يكون مستقبل السودان رهينة لقوة مسلحة خارج منظومة عسكرية وطنية موحدة وخاضعة للقانون.
ولن نقبل أن تتحول الثروات الوطنية إلى أدوات لبناء النفوذ الشخصي، أو أن تُدار الموارد الاستراتيجية بمعزل عن الشفافية والمساءلة والمصلحة العامة.
كما لن نقبل أن تصبح الجرائم المرتكبة بحق المدنيين موضوعاً للمساومة السياسية، أو أن يُمنح مرتكبو الانتهاكات حصانة من العدالة بسبب مواقعهم أو تحالفاتهم.
الحرب كشفت المستور وأسقطت أوهاماً سياسية
لقد أعادت هذه الحرب طرح مجموعة من الحقائق التي لا يمكن تجاوزها في أي نقاش جاد حول مستقبل السودان:
– وحدة المؤسسة العسكرية: لا يمكن بناء دولة مستقرة مع تعدد الجيوش ومراكز القرار العسكري المستقلة.
– حدود الشراكة السياسية: لا تكفي الاتفاقات وتقاسم السلطة لضمان الاستقرار إذا غابت المؤسسات القادرة على إنفاذ القانون وحسم الخلافات سلمياً.
– خطورة اقتصاد السلاح: حين تتشابك المصالح الاقتصادية مع القوة العسكرية والنفوذ السياسي، تصبح فرص بناء دولة شفافة وخاضعة للمساءلة أكثر تعقيداً.
– أولوية حماية المدنيين: لا يجوز أن تتحول حياة السودانيين وممتلكاتهم إلى أثمان مقبولة في صراع النفوذ.
– استحالة بناء السلام بلا مساءلة: إن التسويات التي تتجاهل حقوق الضحايا وتؤجل العدالة قد تعيد إنتاج أسباب النزاع بدلاً من معالجتها.
لقد كشفت الحرب أيضاً قصور الرهان على أن الترتيبات السياسية وحدها قادرة على معالجة اختلالات عسكرية وأمنية عميقة، من دون إصلاح مؤسسي حقيقي وضمانات واضحة وملزمة.
لا حياد تجاه الجرائم.. ولا إعفاء لأحد من المساءلة
إن رفض الانتهاكات لا ينبغي أن يخضع للانتماء السياسي أو العسكري، كما أن إدانة الجرائم لا تتجزأ بحسب هوية مرتكبيها.
فكل انتهاك موثق لحقوق المدنيين يستوجب التحقيق والمساءلة، وكل متورط تثبت مسؤوليته ينبغي أن يخضع للقانون، أياً كانت رتبته أو موقعه أو الجهة التي ينتمي إليها.
ومن الضروري التمييز بين رفض الجرائم وبين تعميم الاتهام على جماعات سكانية أو جهات بأكملها؛ فالمسؤولية الجنائية فردية، وتُحدَّد بالأدلة والتحقيقات المستقلة، لا بالانتماء القبلي أو الجهوي أو بمجرد الاشتباه.
أما القوى السياسية التي دعمت أطراف الحرب أو بررت الانتهاكات، فعليها أن تتحمل مسؤولية مواقفها أمام الرأي العام، وأن تخضع ادعاءاتها وتبريراتها للنقاش والمحاسبة السياسية. ولا ينبغي أن تكون المصالحة الوطنية غطاءً للإفلات من العقاب، كما لا ينبغي أن تتحول المحاسبة إلى ذريعة للانتقام الجماعي.
لا سلام مستداماً بلا عدالة، ولا عدالة بلا قانون، ولا دولة بلا مؤسسات تحمي الجميع دون استثناء.
السودان ليس ملكاً لأسرة أو جماعة أو قائد
لقد أكدت الحرب أن الدولة التي تتعدد فيها مراكز القوة المسلحة، وتتداخل فيها المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية، تظل عرضة للانفجار كلما تعارضت مصالح أصحاب النفوذ.
إن السودان أكبر من الأشخاص، وأبقى من التحالفات المؤقتة، وأوسع من الحسابات الضيقة التي تختزل الوطن في مصالح مجموعة أو قيادة.
ثرواته ملك لشعبه، ومؤسساته ملك لمواطنيه، وموارده الاستراتيجية يجب أن تُدار وفق القانون والشفافية والمصلحة العامة. ولا يجوز أن يكون الذهب أو الأراضي أو الشركات أو الموانئ أو المطارات مجالاً للنفوذ الخاص خارج الرقابة المؤسسية.
كما أن سيادة السودان لا تُصان بالشعارات وحدها، بل بقرار وطني مستقل، وعلاقات خارجية متوازنة، ورفض أي تدخل خارجي يؤجج الحرب أو يمد أطرافها بما يطيل أمد المعاناة.
وأي اتهامات تتعلق بدعم خارجي عسكري أو مالي أو سياسي ينبغي أن تُناقش استناداً إلى الأدلة الموثوقة، وأن تُواجه عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية المناسبة، حمايةً لسيادة البلاد ومصالح شعبها.
ما بعد الحرب: دولة القانون لا دولة الغلبة
إن استعادة الدولة لا تعني مجرد استعادة المواقع الجغرافية أو إنهاء سيطرة قوة مسلحة على مدينة أو منطقة؛ فذلك، على أهميته، لا يمثل سوى جانب من معركة أكبر تتعلق بإعادة بناء السودان.
المطلوب هو بناء دولة لا تحتاج إلى الخوف كي تستقر، ولا تعتمد على الولاءات الشخصية كي تستمر، ولا تسمح لأي جهة بامتلاك قوة مستقلة عن القانون.
دولة تقوم على جيش وطني موحد، ومؤسسات أمنية خاضعة لقيادة دستورية ورقابة قانونية، وقضاء مستقل، وإدارة عامة شفافة، ومحاسبة عادلة لكل من تورط في جرائم أو استغل السلطة والمال العام.
كما تتطلب مرحلة ما بعد الحرب إعادة إعمار ما دمرته المعارك، وجبر ضرر الضحايا، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين بصورة آمنة وطوعية وكريمة، واستعادة الخدمات الأساسية، وفتح المجال أمام حوار وطني لا يستثني أصحاب المصلحة الحقيقيين في مستقبل البلاد.
ولا يمكن تحقيق ذلك عبر الانتقام أو الإقصاء الجماعي، بل من خلال العدالة وسيادة القانون، ومعالجة جذور التهميش والنزاعات، وإرساء عقد وطني جديد يجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات.
نعم.. لقد نزع الخوف
الخوف الذي كان يمنع كثيرين من المجاهرة بالسؤال عن جدوى وجود جيوش في دولة واحدة.
والخوف الذي كان يؤجل النقاش حول استقلال القرار العسكري والاقتصادي، وحول ضرورة إخضاع جميع المؤسسات المسلحة لقواعد واضحة وموحدة.
والخوف الذي جعل بعض القضايا الوطنية رهينة للتوازنات السياسية، بدلاً من أن تكون موضع نقاش عام وشفاف.
لقد كشفت الحرب أن الصمت عن الاختلالات لا يلغيها، وأن تأجيل الإصلاح لا يمنع الانفجار، وأن الشراكات السياسية لا تستطيع وحدها حماية الدولة ما لم تستند إلى مؤسسات قوية وقواعد ملزمة ومساءلة حقيقية.
لكن نزع الخوف لا ينبغي أن يقودنا إلى خوف جديد، ولا إلى قبول العنف بوصفه قدراً دائماً، ولا إلى استبدال سلطة السلاح بسلطة سلاح آخر.
إن الشجاعة الوطنية الحقيقية هي أن نواجه الحقائق، ونحمي المدنيين، ونرفض الانتهاكات من أي جهة صدرت، ونصر على قيام دولة لا يُظلم فيها مواطن بسبب رأيه أو قبيلته أو منطقته أو انتمائه السياسي.
هذه المرة لن نعرد.. بل سنستعيد الدولة
لن يكون النصر الحقيقي مجرد انتهاء المعارك، بل أن يستعيد السودانيون حقهم في وطن آمن، وأن تعود المؤسسات إلى أداء واجباتها، وأن يصبح السلاح خاضعاً للدولة والقانون، وأن يجد الضحايا العدالة، وأن يعود المهجرون إلى ديارهم، وأن يتوقف نزيف الدم والخراب.
لن نرضى بأن يكون مصير السودان رهينة بيد فرد أو أسرة أو جماعة مسلحة، ولن نقبل أن تتحول مآسي المواطنين إلى أوراق تفاوض أو أدوات للمساومة.
هذه الحرب، مهما كانت دوافعها وتعددت الأطراف المتورطة فيها، تركت درساً لا يجوز تجاهله: لا دولة مستقرة بلا احتكار قانوني ومنضبط للقوة المسلحة، ولا سلام بلا عدالة، ولا مستقبل بلا مصالحة تقوم على الحقيقة والإنصاف، لا على النسيان القسري.
هذه المرة لن نعرد من مسؤوليتنا تجاه السودان.
سنتمسك بحقوقنا كشعب في الأمن والكرامة والحرية، وسنعمل من أجل دولة المؤسسات والقانون، دولة تتسع لجميع السودانيين، وتحمي حقوقهم، وتصون ثرواتهم، وتمنع تكرار المأساة.
فالسودان ليس ملكاً لدقلو، ولا لغيره؛ السودان ملك لشعبه، ومستقبله يجب أن يُصنع بإرادة أبنائه، وتحت سقف القانون، وبما يضمن الحرية والسلام والعدالة.
لقد نزع التمرد الخوف من كثيرين، لكن مسؤوليتنا اليوم أن نحوّل هذا الوعي إلى دولة، وهذا الألم إلى إصلاح، وهذه المأساة إلى بداية طريق لا تعود فيه المليشيات بديلاً عن المؤسسات، ولا يصبح فيه المواطن ضحية دائمة لصراعات السلطة.
دكتور عصام دكين


