مقالات وكتاب

عمق الكلام | عوض عمر الشائب | أمانة القلم وعُهر الموائد 

صوت الشارع

مقالات وكتاب

عمق الكلام | عوض عمر الشائب | أمانة القلم وعُهر الموائد

هناك مهن لا تعرف المنطقة الرمادية ولا تحتمل أنصاف المواقف ولا تقبل القسمة على اثنين فإما أن تكون فيها شريفاً خالصاً وإما أن تكون خائناً خالصاً والصحافة واحدة من هذه المهن فالقلم ليس أداة كتابة وليس مجرد حبر ينساب على ورق أو حروف تكتب على الهاتف القلم أمانة وميثاق وشهادة سيسأل عنها صاحبها أمام الله وأمام التاريخ وأمام الناس ومن حمل هذه الأمانة فقد حمل أثقل الأحمال لأن الكلمة قد تبني وطناً وقد تهدمه قد ترفع مظلوماً وقد تسحق بريئاً

في هذا الميدان الشريف هناك رجالاً آمنوا بأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون مهنة وبأن الخبر تكليف قبل أن يكون سبقاً صحفياً هؤلاء هم الصحفيون الشرفاء حقاً يحملون أمانة القلم كما يحمل الجندي سلاحه في الميدان لا يتركونه ولا يلقونه مهما اشتد القصف لا يبيعون ولا يشترون ولا يبدلون مواقفهم بتبدل العطايا والمنح مواقفهم ثابتة ثبات الجبال لأنها نابعة من مبدأ لا من مصلحة قد يختلف الناس معهم في الرأي وقد يتفقون وقد يشتد الجدل حول ما يكتبون (حتى خصومهم) لكن لا أحد يستطيع أن يشكك في نظافة يدهم وطهارة مقصدهم وصدق ولائهم للوطن يكتبون ما يرونه حقاً ولو كان ثمن هذا الحق عزلة أو تضييقاً في الرزق أو خسارة لمنصب يدفعون الثمن بصمت الرجال هؤلاء هم ضمير الناس حين يصمت الضمير وهم ذاكرة التاريخ حين يحاول البعض تزويره وهم المعنى الحقيقي لمفهوم السلطة الرابعة بهم تظل الصحافة منارة وبهم يظل القلم شريفاً

وعلى الضفة الأخرى الضفة المظلمة هناك نوع آخر من حملة الأقلام في الحقيقة هم لا يحملون القلم بل القلم هو الذي يحملهم هم ظل بلا جسد وصوت بلا روح هؤلاء كالعاهرة كما وصفتهم العرب في أمثالها القديمة جسدها تحت رجل وأذنها مع من يطرق الباب لا مبدأ لهم ولا ولاء إلا لمن يدفع أكثر ولا بوصلة إلا حيث تميل المائدة اليوم يكتبون قصيدة مدح عصماء في شخص وغداً يكتبون فيه هجاء بنفس الحماسة ونفس المفردات ليس لأن الشخص تغير بل لأن الطارق على الباب قد تغير ولأن السعر قد ارتفع مبادئهم معروضة في سوق النخاسة وأقلامهم للإيجار بالساعة واليوم هؤلاء لا يكتبون ما يعتقدون بل يكتبون ما يُملى عليهم لا يفكرون بما سيكتبون بل ينتظرون التعليمات وجوههم تتلون بتلون موائد السادة وألسنتهم تلهج بما يوضع في جيوبهم إذا حضرت المائدة حضروا وإذا غابت غابوا هم خبراء في قلب الحقائق وتزيين الباطل وجلد الضحية والطواف حول الجلاد

إن خطر هؤلاء ليس في كذبهم فحسب بل في أنهم يلوثون مهنة الصحافة كلها يجعلون القارئ يشك في كل قلم حتى الشريف منه يزرعون الشك في كل خبر حتى الصادق منه هم الوباء الذي ينخر في جسد الصحافة يحولها من رسالة إلى ارتزاق ومن أمانة إلى عهر موائد

عمق اخر…

ليبقى السؤال هل يستوي الذين يحملون الأمانة والذين يبيعونها؟ لا والله لا يستوون وسيبقى التاريخ يفرز وسيبقى القارئ الواعي يميز بين رائحة الحبر النظيف ورائحة الحبر الملوث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى