شخصيات سودانيةمن كردفان
من كردفان | توثيق : فيصل حيدر حمد السيد | الشيخ الجليل «الدرديري عمر المنصور».. النور الذي توهج في مدينة الأبيض

صوت الشارع
شخصيات سودانية
من كردفان | توثيق : فيصل حيدر حمد السيد | الشيخ الجليل «الدرديري عمر المنصور».. النور الذي توهج في مدينة الأبيض
**الأبيض: الزمان.. والمكان.. والإنسان المرحوم** الشيخ الجليل «الدرديري عمر المنصور».. النور الذي توهج في مدينة الأبيض

كتب: #فيصل_حيدر
“رجل إذا ذُكرت التقوى ذُكر، وإذا ذُكرت الأبيض ذُكر”
في الأبيض رجال لا تمشي أجسادهم في طرقاتها فقط، بل تمشي أرواحهم في قلوب أهلها.. رجال إذا صعدوا المنبر أنصتت المدينة كلها، وإذا مشوا في السوق سلم عليهم الصغير والكبير، وإذا تحدثوا عن الحق والعدل، صدحت كلماتهم كأنها آيات من نور.
حديثنا اليوم عن رجل جمع الله له نورين: نور القرآن في صدره، ونور الحكمة في لسانه.. عن الناسك المتعبد، الصوام القوام، لين الجانب، رقيق القلب، شديد في الحق.. عن الذي عرفناه من صباه بالتقوى والورع والزهد ومخافة الله.. إنه فضيلة الشيخ الجليل المرحوم الدرديري عمر المنصور طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه.
#الميلاد_والنشأة: من قرية البلل.. حيث بدأ النور
ولد الشيخ الجليل بقرية البلل ريفي نوري في 31/3/1933، ونشأ في بيت علم وتقوى. وما أن فتح عينيه على الدنيا، حتى فتح قلبه على القرآن.. فحفظ كتاب الله منذ نعومة أظافره بخلوة الشيخ العوض بالقرير، فكساه العلم هيبة ورهبة ووقاراً ونوراً يمشي به بين الناس.
كان عصامياً ذا همة عالية، أهل نفسه بالبحث والاطلاع الواسع في شتى العلوم، كان بحراً لا ساحل له، يحدثك حديث العارف العالم في شتى المعارف، يمتلك ذكاءً خارقاً وذاكرة حديدية ظلت تلازمه حتى اختاره الله لجواره.
#الهجرة_إلى_المحبوبة: الأبيض التي عشقها وعشقته
انتقل لمدينة الأبيض مع أسرته في بداية صباه، فعشق عروس الرمال وأحب أهلها وشكلت وجدانه وكيانه. لم تكن الأبيض له سكناً فقط، بل كانت عشقاً يسري في دمه. اكتسب فيها علاقات واسعة، وكان أحد رموز الأبيض البارزين ونجماً من نجومها المتألقين وركناً ركيناً من أركانها.
وتأكيداً لهذه المحبة الخالصة، أوصى أن يدفن في المدينة المنورة أو بمحبوبته مدينة الأبيض أو بمسقط رأسه في قرية البلل. وقد تم مواراة جثمانه الطاهر الثرى بمسقط رأسه بقرية البلل وسط حضور مهيب من الأهل والأحباب الذين تنادوا لتشييعه من كل صوب وحدب.
#منبره_ووظيفته: إماما للمساجد ورائدا للتعاونيات
جمع الشيخ بين الدين والدنيا، بين المسجد والعمل العام، فأتقن كليهما:
– عمل مشرفاً بجمعية بارا التعاونية بسوق الخضار بمدينة الأبيض من العام 1958 حتى 1988.. ثلاثون عاماً وهو يخدم الناس في أرزاقهم، أميناً صادقاً.
– كان إماماً لمسجد ود عكيفة بالأبيض حتى العام 1990
– ثم إماماً وخطيباً لمسجد الأبيض الكبير العتيق حتى العام 1996
وكان خطيباً بليغاً مفوهاً بأسلوب شيق جذاب يبهر العقول والألباب، حباه الله العلم والحلم والرأي السديد والحكمة، ~ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً. كان متأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع حركاته وسكناته، لا يفعل شيئاً إلا بعد التأكد من رأي الشرع فيه.
وكان من أوائل الملتحقين بالحركة الإسلامية في مطلع الخمسينات، لم يكن متطرفاً بل كان معتدلاً وسطاً، له أسلوب خاص وبديع في الدعوة والإرشاد.
#رائد_التعاون: الفارس الذي دافع عن الديمقراطية
أما في مجال التعاون، فهنا كان الدرديري علماً وحده.. كان من رواد الحركة التعاونية بالبلاد المدافعين بشراسة عن أهليتها وديمقراطيتها ومكتسباتها، يصدح برأيه بشجاعة لا يخشى في الحق لومة لائم
تدرج في سلم القيادة التعاونية حتى بلغ قمتها:
– انتخب رئيساً للاتحاد التعاوني المحلي لشمال كردفان 1979 حتى 1987
– ثم رئيساً للاتحاد التعاوني الإقليمي لكردفان 1988 حتى 1996
– ثم انتخب رئيساً للاتحاد التعاوني القومي بالخرطوم في 1996، ثم أعيد انتخابه عدة مرات مع رفقاء دربه المرحوم الحاج ناصر تندل (طيب الله ثراه) والشيخ زاكي الدين بلال حتى ترجل بناءً على طلبه لإفساح المجال لوجوه جديدة في عام 2020.. أي مسيرة تعاونية استمرت لأكثر من 40 عاماً!
– كان عضواً في المجلس الوطني ممثلاً لقطاع التعاون 1996 حتى 1999
– كان عضواً فاعلاً بمجلس إدارة بنك التنمية التعاوني القومي (بنك النيل) من 1987 حتى 2013
– انتخب نائباً لرئيس الاتحاد التعاوني العربي لدورة واحدة
منحته جامعة النيلين الدكتوراة الفخرية 1995 لدوره في قيادة الحركة التعاونية وابراز اهميتها في اطارز القطاع الاقتصادي
ورغم كل هذه المشاغل الجسام، كان للشيخ قلب آخر.. قلب زوج وأب.. عطوفاً حنيناً ورحيماً وودوداً وكريماً، كان يعامل أهله بالحسنى والمودة والمحبة، مقتدياً بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم “خيركم خير لأهله وأنا خيركم لأهلي”
ومنذ زواجه بحرمه المصون المرحومة الحاجة نفيسة المنصور عثمان صديق في 5/10/1959، كان مثالاً يحتذى للزوج الصالح المقدس للحياة الزوجية بالملاطفة والمؤانسة والمودة والقول الطيب الحسن.
وفي عيد زواجهما الخمسين عام 2009، حرص على جمع كل أبنائه شاكراً لرفيقة دربه صبرها وطيبة خلقها وحسن صنيعها ودورها المشهود في تنشئة أبنائهما على الفضيلة والتقوى والورع ومكارم الأخلاق ودورها الكبير في نجاحه في الحياة بتشجيعها له ووقوفها بجانبه في السراء والضراء، وفي الختام أهداها *خاتماً ثميناً من الذهب الخالص تعبيراً عن تقديره ووفائه لها.. أي وفاء هذا؟ أي حب هذا الذي يمتد لخمسين عاماً ثم يتوج بخاتم من ذهب؟
ورغم مشغولياته، كان حريصاً على التواصل بوسائل التواصل الحديثة (الواتساب، الفيس بوك) يتخير الطيب منها ناصحاً ومرشداً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر.
له من الابناء عمر الدرديري ومحمد وابوبكر “صيدلي” وثلاث بنات
#رجل_رحل: وبقيت سيرته مسكاً
توفي الشيخ الجليل في عام 2023 فبكته المنابر، وبكته الأسواق وبكته المجالس وبكته الأبيض التي أحبها.
رحلت عنا جسداً، وبقيت فينا روحاً ومنهجاً..
رحلت وتركت لنا درساً أن الدين ليس في المسجد وحده، بل في كل مكان
رحلت وتركت لنا درساً أن الزواج ليس عشرة أيام، بل هو اعوام من المودة والوفاء
رحلت وتركت لنا درسا ان الاعتدال هو الدين وان الوسطية هي السبيل

