دكينيات | دكتور عصام دكين | الرد على مقولة الإسلام دين ودولة | الإسلام دين الله كاملاً هدايةً وقيماً ومقاصد والدولة آلية

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكينيات | دكتور عصام دكين | الرد على مقولة الإسلام دين ودولة | الإسلام دين الله كاملاً هدايةً وقيماً ومقاصد والدولة آلية
دكينيات (2000) – 28 / 9 / 2026م
بقلم الدكتور عصام حامد دكين.
انتشرت عبارة الإسلام_دين_ودولة كمداخلة ورد على كتاباتي عن العلمانية كمشروع وطني متفق عليه بين مكونات الشعب السوداني، وتجربة مقاربات ومقارنات عن المحرمات في القرآن الكريم مع النظم العلمانية هل تبيح تلك المحرمات، وكان الرد دائماً بعبارة “الإسلام دين ودولة” حتى كادت تصبح نصاً مقدساً، وهي ليست آية ولا حديثاً، بل اجتهاد وُصف به الإسلام في مواجهة العلمانية التي تريد حصر الدين في المسجد. والحق أن العبارة جريئة ومرجوحة إذا فُهمت على أن الإسلام قد جاء بدولة جاهزة بدستور مفصل وقوانين مرورية وكروية وفنية وتعليمية وثقافية وبلدية وسياسية واقتصادية لكل زمان ومكان.
والصواب: الإسلام دين شامل، والدولة تهتدي به، لا دولة ثيوقراطية تحكم بأمر الله.
أولاً: شمول الإسلام شمول هداية لا شمول إحلال
الإسلام شامل بمعنى أنه هدى الإنسان في علاقته بربه وبنفسه وبأسرته وبمجتمعه وبالدولة. {ما فرطنا في الكتاب من شيء} أي من أصول الهداية ومقاصدها، لا من تفاصيل إدارة المرور والجمارك والبنوك المركزية.
الشريعة جاءت بـ الثابت والمتحول:
– الثابت: العقائد والعبادات والقطعيات والمقاصد الكبرى: العدل، الحرية، الشورى، حفظ النفس والمال والعرض والعقل والدين.
– المتحول: الوسائل والآليات والأنظمة التنفيذية، وهي متروكة لاجتهاد الأمة حسب الزمان والمكان والمصلحة.
ولهذا لم يترك لنا النبي صلى الله عليه وسلم دستوراً مكتوباً للدولة، بل ترك مبادئ: الشورى، والبيعة، والعدل، والمساواة. وترك عمر رضي الله عنه تفاصيل الدواوين والخراج، مع أن النبي لم يفعلها.
ثانياً: لا دولة دينية في الإسلام
لا توجد في الإسلام دولة دينية ثيوقراطية. لا يوجد حاكم بأمر الله، ولا حاكم معصوم، ولا سلطة كهنوتية تحتكر التحدث باسم السماء.
الدولة في الإسلام دولة مدنية مرجعيتها قيم الدين كما يقول الدكتور الراحل الملهم المفكر الإسلامي التجاني عبد القادر حامد. الحاكم فيها سلطان متبع لشريعة الله، ليس مقدساً ولا معصوماً، يُسأل ويُحاسب ويُعزل إذا ظلم. هذا ما قرره أبو بكر: “أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم”.
الفقيه لا يحكم، والحاكم لا يفتي باسم الله. الدين يضبط الدولة ولا يُستغل لتوظيف الدولة.
ثالثاً: خطأ الإسلاميين والعلمانيين معاً.
أخطأ بعض الإسلاميين حين ظنوا أن شمول الإسلام يعني أن في القرآن نصاً جاهزاً لكل قانون عصري، فعطلوا الاجتهاد ونسخوا تجارب تاريخية – أموية وعباسية وعثمانية – وظنوها هي الإسلام. وهذا مستحيل إنسانياً، كما قال الدكتور مختار الشنقيطي.
وأخطأ العلمانيون حين ظنوا أن عدم وجود تشريع مفصل مواكب لكل عصر يعني أن الإسلام دين روحي فقط بلا علاقة بالدولة. وهذا مستحيل إسلامياً، لأن الإسلام جاء بقيم حاكمة للدولة: لا ظلم، لا استبداد، لا نهب للمال العام.
رابعاً: كيف تهتدي الدولة بالدين إذن؟
تهتدي الدولة بالدين عبر ثلاثة مسارات:
1/ المقاصد: كل قانون يحقق العدل وحفظ النفس والمال فهو موافق للشريعة ولو لم يرد نصه حرفياً.
2/ الاجتهاد المؤسسي: عبر الشورى والمجالس المنتخبة والمجامع الفقهية، لا عبر فتوى فردية. {وأمرهم شورى بينهم}.
3/ المصالح المرسلة والعرف: ما سكت عنه النص، فالأصل فيه الإباحة إذا حقق مصلحة الأمة. عمر علّق حد السرقة في عام المجاعة، وهذا قمة الفقه.
ولذلك قبلت الحركة الإسلامية السودانية المواثيق الدولية التي لا تصادم قطعياً، وردت ما يصادم، كاتفاقية سيداو في بعض بنودها. وهذا فقه توفيقي أصيل، ليس انهزاماً ولا جماداً.
الخلاصة:
الإسلام دين الله الكامل هدايةً وقيماً ومقاصد. والدولة آلية بشرية متغيرة تهتدي بهديه ولا تدعي احتكاره.
من قال “الإسلام دين ودولة” بمعنى أنه دين يوجّه الدولة نحو العدل فهو مصيب.
ومن قالها بمعنى أن الإسلام جاء بقانون إداري واقتصادي وسياسي ورياضي وفني وثقافي ودستوري مفصل لكل عصر يجب استنساخه فهو واهم.
وبهذا نسلم من ثنائية علماني / إسلامي المدمرة التي كتب عنها الراحل الملهم الدكتور التجاني عبد القادر حامد المفكر الإسلامي، ونخرج من المعادلة الصفرية التي أهلكت السودان. لا علمانية تقتلع الدين من الحياة، ولا دعوى دولة دينية تقدس الحاكم باسم الدين.
دولة مدنية عادلة تهتدي بالدين.. هذا هو جوهر السياسة الشرعية.
—
سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين دكتور عصام دكين.


