دكينيات | دكتور عصام دكين | اليساري العلماني ياسر عرمان يكتب عن المفكر الملهم دكتور التجاني عبد القادر

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكينيات | دكتور عصام دكين | اليساري العلماني ياسر عرمان يكتب عن المفكر الملهم دكتور التجاني عبد القادر
دكينيات (1985)22/ 9/ 2026م
د. عصام دكين
كتب الكثيرون مقالات رصينة عن الراحل الملهم المفكر الإسلامي التجاني عبد القادر حامد، مبرزين أهم جوانبه الفكرية، ولكن ما لفت انتباهي هو ما كتبه اليساري العلماني ياسر سعيد عرمان عن الراحل الذي انتقل إلى رحاب الله الأسبوع الماضي. فهي شهادة من رجل يختلف فكرياً مع المفكر الإسلامي، لكنها شهادة حق. ورغم اختلافنا مع بعض ما جاء فيها، إلا أنني أعتبرها نقطة انطلاقة للتسوية السياسية التي أسعى لها بين العلمانيين والإسلاميين واليساريين، من أجل حسم الصراع حول نظام الحكم في السودان الذي استمر طويلاً وأنهك المواطن وجعل السودان في مؤخرة الدول.
مرفق إليكم ما كتبه ياسر عرمان بعنوان: التجاني عبد القادر (عاف طعام الاستبداد وعصى انقلاب الجماعة).
كما أشرت لأهم النقاط التي وردت في مقال ياسر سعيد عرمان وهي كالآتي:
1- الموقف المبدئي:
رفض انقلاب 30 يونيو 1989 واعتزل السلطة ولم يمضِ مع قطيع الحركة الإسلامية.
2- تشخيص الخرطوم:
الخرطوم اليوم تحتاج: مال كثير، وقوة بدن، وصلة قوية بالسلطان، وقدرة عالية على اللف والدوران، وهي صفات لم تكن متوفرة لديه.
3- تقسيم الإنقاذ للإسلاميين:
– فئة قضت نحبها في حرب الجنوب
– فئة استوعبت في أجهزة الدولة
– فئة حُوّلت إلى فائض عمالة تُستنفر عند الضرورة القصوى ثم تُسرّح
4- تحول كل شيء إلى سلعة:
السياسة تحولت إلى ملعب أمني لا مكان فيه للفكر والتنظير المخالف للمنظومة الأمنية الحاكمة.
5- نقد الترابي:
الترابي اهتم ببناء الجماعة السياسية أكثر من اهتمامه ببناء جماعة فكرية.
6- موقفه الاقتصادي والوطني:
طالب بعودة الجماعة للفقراء، وقال: لم شمل الوطن أهم من لم شمل الإسلاميين.
7- قصة أحمد عثمان مكي وجون قرنق:
مكي (شبيه التجاني) طلب لقاء قرنق عبر عرمان في أسمرا بعد اتفاق 2001، لأنه آمن بفكرة السودان الجديد، لكنه توفي في عملية جراحية بأمريكا قبل اللقاء. فنعاه قرنق كأول إسلامي تنعيه الحركة الشعبية.
8- رسالة عرمان:
التجاني عاف طعام الاستبداد، وهي دعوة للشباب الإسلامي الجديد أن يثوبوا للحق ويكفوا عن الحروب، ورغم اختلاف عرمان معه بعد حرب 15 أبريل، إلا أنه ظل محل احترام.
* نص مقال ياسر عرمان:
التجاني عبدالقادر حامد
رحم الله الرجل الذي عاف طعام
الاستبداد وعصى انقلاب الجماعة!
ياسر عرمان
في الدوحة يوم ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ رحل دكتور التجاني عبدالقادر، أحد قادة الإسلاميين السودانيين المتميزين، والذي قال لا في وجه انقلاب الجماعة ولم يمضِ مع القطيع. فانقلاب يونيو ١٩٨٩ كان انقلابًا على كل القيم الموصولة بتقوى الله ونصر الفقراء. مضى التجاني وحيدًا إلا من القلة، وبعيدًا عن بريق السلطة والجاه.
الحقيقة أن التجاني عبدالقادر لم يحدث قطيعة مع فكر الجماعة، ولكن حينما استعصمت الجماعة بالسلطة والسلطان، جاهر بسديد القول ضد رهط المال والسلطان والقبيلة، واتجه نحو قبلة تعتزل الفتنة التي لا تزال نارها تأكل السودان.
لم نتفق مع كل ما قاله التجاني عبدالقادر، سيما بعد حرب ١٥ أبريل الأخيرة، وقد اجتهد الأستاذ عادل الباز، في لقائه الأخير معه، أن يلحقه بموائد الجماعة التي عصاها التجاني عبدالقادر زمنًا طويلًا، وبما أسماه دكتور التجاني عبدالقادر نفسه في لقاء سابق في ٢٠١٧ أجراه معه الأستاذ عبدالرؤوف طه علي لجريدة الصيحة، حينما أكد أنه ابتعد عن الخرطوم لأنها «تقتضي في الوقت الراهن أن يكون المرء ذو سعة في المال وقوة في البدن وصلة قوية بالسلطان، وقدرة عالية على اللف والدوران، وهي ميزات غير متوفرة لدينا». والخرطوم اليوم أسوأ من الأمس، وكل شيء في السودان لحق به الانحطاط، ولا بواكي على بلاد طالب صلاح أحمد إبراهيم الطير أن تعب منه الجناح أن يزيد في السرعة حتى يسلم على النيل والشباب.
التجاني عصى انقلاب الجماعة على كل شيء جميل وخير، وفي رحلته دعوة صادقة لمن صدق من الجماعة ليثوب لطريق الحق والوطن ويكفوا عن الاستبداد والحروب، وفي لقائه مع عبدالرؤوف، وهو من أفضل لقاءاته، ذكر أن الإنقاذ قسمت الحركة الإسلامية القديمة لثلاث فئات: «فئة قضت نحبها في الجنوب، وفئة تستوعب في أجهزة الدولة، وفئة تُحوَّل لفائض عمالة تستنفر عند الضرورة القصوى ثم تُسرَّح»، وتحدث عن الزمن الذي تحولت فيه كل الأشياء إلى «سلع»، وأكد التزامه بالفكر الإسلامي، وأن الملعب السياسي قد تحول لملعب أمني، ولا توجد فيه خانة شاغرة لفكر أو تنظير لا يتسق مع المنظومة الأمنية الحاكمة، وهو تشخيص دقيق يطارد الحركة الإسلامية اليوم أكثر من الأمس، وقد تحولت إلى مليشيا من مليشيات الاستبداد والسلطة.
أكد التجاني عبدالقادر في نفس اللقاء أن دكتور الترابي صاحب فضل، ولكنه انشغل بتكوين الجماعة السياسية أكثر من اهتمامه بتكوين جماعة فكرية، وفي واقع اليوم فإن الجماعة التي تدعم الحرب لا تمتلك حتى منظورًا سياسيًا خارج دائرة القمع والاستبداد، فهي ما عادت تؤمن بالسياسة لكسب الناس وإقناعهم، بل كل ما عندها لا يتجاوز العصا والسلاح واللف والدوران الذي أشار إليه التجاني عبدالقادر.
اهتم دكتور التجاني بالعامل الاقتصادي، وطالب الجماعة بالعودة للفقراء، وأكد أن لم شمل الإسلاميين ليس أكثر أهمية من لم شمل الوطن، وقال: دعنا ننسى أنفسنا ونفكر في الوطن أولًا. وتحدث عن غياب المنهج وهشاشة الرؤية وضعف قيادة الكيانات الإسلامية التي تلتف حول السلطة السياسية دون هدىً أو كتاب منير، ولعل في ذلك تذكرة لشباب الإسلاميين الجدد، إن كان هنالك ثمة أمل في إصلاح الحركة الإسلامية التي أضحت في خدمة السلطان والاستبداد.
بعد توقيعنا على اتفاق سويسرا مع المؤتمر الشعبي في عام ٢٠٠١، الذي شارك فيه من المؤتمر الشعبي المحبوب عبدالسلام وعمر الترابي، ومن جانب الحركة الشعبية فاقان أموم وياسر عرمان، اتصل بي الراحل الدكتور أحمد عثمان مكي، وبعد عدة رسائل ومكالمات طلب أن يلتقي بالدكتور جون قرنق، ورتبت له موعدًا للقدوم لأسمرا، وذكر لي (ود المكي) أنه يكن احترامًا عميقًا لدكتور قرنق، ويرى أن دعوته للسودان الجديد يجب أن تؤخذ بجدية، وأن له رأيًا إيجابيًا ويرى أن الخير يكمن في الاتفاق معه على طريق جديد، ولذا فإنه ينوي المجيء للحوار مع قرنق. بدأ لي دومًا أن التجاني عبدالقادر وأحمد عثمان مكي منسوجان من نفس خامة القماش ويوجد وجه شبه بينهما. اتصل بي ود المكي لاحقًا وأكد لي أن طبيبه الخاص حدد له موعدًا لإجراء (عملية) مستعجلة، وأنه يود أن يترك أمر الطبيب ويأتي للقاء، وقلت له من الأفضل أن تستمع لرأي الطبيب وسوف أحدد لك موعدًا آخر مع دكتور قرنق، وقد كان ذلك حديثنا الأخير، ورحل الدكتور أحمد عثمان مكي عند إجراء تلك العملية الجراحية في الولايات المتحدة الأمريكية، وطلبت من دكتور قرنق أن اصدر نعيًا لود المكي باسم الحركة الشعبية، وقد كان ما بيننا وبين الإسلاميين ما صنع الحداد، ووافق دكتور قرنق، وكان ذلك هو أول بيان تنعي فيه الحركة الشعبية أحد قادة الإسلاميين. ما أشبه الرحيل المفاجئ للتجاني عبدالقادر بذات الرحيل المتعجل لأحمد عثمان مكي.
في السنوات الأخيرة تبادلت الرسائل وقليل من المحادثات مع دكتور التجاني عبدالقادر، وضربنا موعدًا للقاءات لم تتم، وأشعر بالأسف لعدم تمام اللقاء مع رجل يستحق، فرغم الاختلاف ظل التجاني عبدالقادر محل احترامنا، وخلف رحيله حزنًا ودمعة على تلك الروح التي عافت طعام الاستبداد وعصت انقلاب الجماعة، وتلك الروح التي تمسكت بالفكر بديلًا لأجهزة الأمن وعسس الجماعة.
التعازي الحارة لأسرته ولأهله في ريف شمال كردفان الذي يقطر دمًا.
ألا رحم الله الدكتور التجاني عبدالقادر، وهو عند مليك رحيم، وجعل مثواه الجنة وأنزله مع الصديقين والشهداء والصالحين.
٢١ سبتمبر ٢٠٢٦
—————————————-
سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين. دكتور عصام دكين.



