من رفاعة | توثيق : أسعد أبو زيد | الرائدة التربوية : الأستاذة شامة صالح سليمان

صوت الشارع
شخصيات سودانية
من رفاعة | توثيق : أسعد أبو زيد | الرائدة التربوية : الأستاذة شامة صالح سليمان
(1920م – 1987م)
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾
صدق الله العظيم
❖ سيرة عطرة ومسيرة خالدة
كانت الأستاذة شامة صالح سليمان واحدةً من الرائدات اللاتي حملن مشعل التعليم في السودان، وأسهمن في ترسيخ دعائم تعليم البنات في مرحلةٍ كانت فيها هذه الرسالة تواجه كثيرًا من التحديات الاجتماعية والثقافية. فاستحقت أن تُذكر في سجل الخالدين، وأن تبقى سيرتها نبراسًا للأجيال.
وُلدت بمدينة رفاعة عام 1920م، لوالدها صالح سليمان ووالدتها آمنة محمد زين. وقد نشأت في بيتٍ آمن بأن العلم هو طريق النهضة، فحرص والدها على تعليم أبنائه وبناته، وكانت هي وشقيقاتها رقية، وفاطمة، وخلود من أوائل الفتيات اللاتي تتلمذن على يد رائد تعليم البنات الشيخ بابكر بدري، إلى جانب نخبةٍ من رائدات رفاعة، أمثال زهراء الفكي، وحرم الفكي، وفاطمة أبوزيد، وميمونة حميد، ونفيسة أبوزيد وغيرهن.
تلقت تعليمها الأولي بمدينة رفاعة، ثم التحقت بكلية معلمات أم درمان، حيث تخرجت معلمةً متخصصة في اللغة العربية، والتربية الإسلامية، والفنون، والتدبير المنزلي.
❖ مسيرة حافلة بالعطاء
جاءت مسيرتها التعليمية في زمنٍ كان تعليم البنات يواجه رفضًا من بعض أفراد المجتمع بسبب العادات والتقاليد، وسوء الفهم، وضعف الإمكانات، وقلة المدارس المخصصة للبنات. إلا أن الأستاذة شامة، مع زميلاتها الرائدات، واجهن تلك الصعوبات بالإيمان والصبر والعزيمة، حتى غدت رسالة تعليم المرأة واقعًا راسخًا أسهم في نهضة المجتمع السوداني.
ويُحسب لها أنها افتتحت أول مدرسة لتعليم البنات بمدينة الخرطوم بحري، كما افتتحت أول مدرسة للبنات بمدينة الهلالية، ثم واصلت رسالتها في عددٍ من مدن وقرى ولاية الجزيرة، قبل أن تعمل بولاية النيل الأبيض مديرةً لمدرسة كوستي الابتدائية، ثم مديرةً لمدرسة سنار الابتدائية.
امتازت بالحكمة، والصبر، وحسن الإدارة، والإخلاص في أداء رسالتها، فكانت قدوةً لزميلاتها، وأمًّا تربويةً لتلميذاتها، وتخرج على يديها أجيالٌ حملت مشاعل العلم، وأسهمت في خدمة السودان في مختلف الميادين.
❖ حياتها الاجتماعية
تزوجت من الأستاذ عثمان الخضر عثمان، أحد أبناء مدينة رفاعة، وكان يعمل بوزارة الحكم المحلي، ثم انتقلت معه إلى سلطنة عُمان لعدة سنوات.
ورزقهما الله أبناءً ساروا على درب النجاح والعطاء، منهم المرحوم سامي، والمستشارة القانونية فتحية، والدكتور الفاتح، العميد السابق لكلية العلوم بجامعة الخرطوم، وبحمد الله قد شرفوا أسرتهم ووطنهم.
وفي شهر مايو عام 1987م، انتقلت إلى جوار ربها بعد حياةٍ عامرة بالبذل والعطاء، تاركةً إرثًا تربويًا خالدًا، وسيرةً عطرةً ستظل مصدر فخرٍ واعتزاز.
❖ كلمة وفاء
إن الأمم العظيمة لا تحفظ تاريخها بالحجارة وحدها، وإنما تحفظه بسير رجالها ونسائها الذين صنعوا نهضتها. وكانت الأستاذة شامة صالح سليمان من أولئك الذين آمنوا بأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وأن القلم أبلغ أثرًا من كل قوة.
فرحلت بجسدها، وبقيت أعمالها حيّةً في مدارس خرجت منها الأجيال، وفي نفوس تلاميذ وتلميذات حملوا رسالتها إلى من بعدهم.
رحم الله الرائدة التربوية شامة صالح سليمان، فقد أدت الأمانة، وبلغت الرسالة، وغرست بذور العلم في أرضٍ أثمرت رجالًا ونساءً حملوا مشاعل المعرفة. وذلك هو الخلود الحقيقي؛ أن يبقى أثر الإنسان بعد رحيله، وأن يظل عطاؤه صدقةً جاريةً تنمو مع الأيام ولا تنقطع.
❖ دعاء
اللهم يا واسع الرحمة، يا كريم العطاء، اغفر لعبدتك شامة صالح سليمان، وارفع درجتها في عليين، واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وأكرم نزلها، وأحسن مثواها، واجزها عن تعليمها للأجيال، وعن صبرها وجهادها في نشر العلم خير الجزاء.
اللهم اجعل كل حرفٍ علمته، وكل خُلُقٍ غرسته، وكل طالبٍ وطالبةٍ انتفعا بعلمها، نورًا يضيء لها قبرها، وحسناتٍ جاريةً لا تنقطع إلى يوم الدين.
اللهم اجمعها بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، واجعل الفردوس الأعلى دارها ومستقرها، واجعل ذكراها الطيبة شاهدًا لها لا عليها، إنك ولي ذلك والقادر عليه.



