مقالات وكتاب

بصراحة اقتصادية | عبد المنعم علي التوم | بنك السودان المسكين ….نائم نوم العوافى

صوت الشارع

مقالات وكتاب

بصراحة اقتصادية | عبد المنعم علي التوم | بنك السودان المسكين ….نائم نوم العوافى

 

لم يعد تراجع الجنيه السودانى أمام العملات الأجنبية خبرا جديدا، وانما اصبح واقعا إقتصاديا مؤلما يعيشه المواطن السودانى كل يوم ، فقد بلغ سعر الدولار وفق المعطيات التى ينطلق منها هذا المقال نحو سبعه آلاف وخمسمائة جنيه سودانى ، والجنيه يواصل ترنحه تحت ضربات العملات الأجنبية ، بينما يبدو إن بنك السودان المركزى يتعامل مع المشهد وكأن الأمر لا يعنيه مستسلم تماما لقوى السوق الموازية من مُصدرين وتجار عملات وجماهير تسعى للحصول على العملات الصعبة حفاظا على اموالهم من التآكل ….!

وإذا استمر هذا المسار وهذا النهج دون تدخلات جادة و حاسمة ، فإننى اخشى ان يصل الدولار قبل نهاية العام الى عتبة عشرون الف جنيه سودانى وهو أمر ليس مستبعدا فى ظل الإنفلات الحالى فى سوق النقد الأجنبى ، ولكن السؤال الأهم أين بنك السودان المركزى المتقاعس عن حماية العملة الوطنية وهو بنك الاصدار ؟؟!

بينما الجنيه السودانى ينهار امام عينه وفى عقر داره ولا يحرك ساكنا وينام كنومة اهل الكهف !

تبدو القوة الفاعلة فى السوق الموازية وكأنها اصبحت صاحبة اليد العليا فى تحديد سعر الصرف بل وكأنها تفرض ايقاعها على السياسة النقدية للدولة وربما تفرض شروطها وتقوم بالإحتجاج …!!!.

أين أدارة النقد الاجنبى ببنك السودان ؟ّ تحسبهم ايقاظا وهم رقود …..! يبدو صعب الامر عليهم فقال قائلهم …..أتركوه ..!! وكأن لسان حالهم يقول كيف من أشقاه ربى …! كيف أنتم تسعدوه ..! ؟! و النتيجة إن العملة الوطنية تتراجع ، ومعها ترتفع اسعار السلع و الخدمات ، وتتسع دائرة التضخم ، وتتآكل القوة الشرائية للمواطن ، بينما لا نسمع من الجهات المسؤولة عن إدارة السياسة النقدية إلا صمتا يكاد يكون مطبقا يشبه من فى القبور …..!!، و إقتصاد بأكمله يدفع الثمن …!

المشكلة لا تتوقف عند سعر الدولار ، فعندما ينهار الجنية ، تتضرر التجارة ويُهزم قطاع الزراعة ، وتتراجع الصناعة وينهار التعليم وتذهب الصحة فى ستين داهية ……..!! وترتفع تكلفة الانتاج و الإستيراد وتتعثر الخدمات ويتعالى صوت المشعوذون …. ويرجعون الأمر ويُحَمِلون الاخطاء البشرية ويضعونها تحت غضبة رب السماء و الارض جل جلاله …..الرحمن………. الرحيم … !الذى وهبنا الارض و الشمس و الهواء و الأنهار . و الماشية .. واشجار الصمغ العربى …. وسخر إلينا من نعمه ما ظهر منها ..وما بطن …. الخ … مع نعمة الذهب ويكاد عقلى يذهب …! وينسبون الأمر الى البنات السافرات العاريات والى المواطن التعبان الغلبان الفلسان الذى بَعُدَ عن ذكر الله …., ( سبحان الله جل فى علاه ). وربما لا يعلمون بأن العقل البشرى هو المناط به إعمار الارض وتسخير المادة لخدمة الانسان و الإنسانية وليس للأمر علاقة بالسفور أو البعد عن العبادة ، فتلك مسئوليات شخصية وليست عامة ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ )

 

وهنا يصبح السؤال مشروعا : هل اصبحت السياسة النقدية فى السودان خارج إطار السيطرة ؟! أم أن المشكلة فى الأدوات والسياسات التى تُدار بها هذه السياسة ؟ّّ

فى تقديرى أوجه الأزمة يتمثل فى غياب الخبرات التى تضعف السلطان كما تضعف الرقابة الفاعلة على حركة النقد الاجنبى بالإضافة الى الفاسدين الذين ترتبط مصالحهم بهذه الفوضى وهم يصطادون فى الماء العكر ويؤثرون تأثيرا مباشرا على متخذى القرار بالتخلى عن بعض الآليات التى كانت الدولة تستخدمها فى فترات سابقة لحماية العملة الوطنية وتنظيم سوق النقد .

 

الجنيه السودانى ليس مجرد ورقة نقدية …!

ينبغى أن ندرك أن الجنيه السودانى ليس مجرد وسيلة للدفع ، وانما هو احد رموز سيادة الدولة وكما تحرص الدولة على حماية حدودها وأمنها القومى واجبا عليها ايضا أن تحمى عملتها الوطنية من الإنهيار ، وأن تضع القوانين و اللوائح الصارمة التى تمنع تحول النقد الأحنبى الى سلعة تداول ومضاربة خارج الأطر الرسمية . !

ومن هنا ، فإن من الضرورى إعادة النظر فى تجربة السودان السابقة ، والاستفادة من السياسات والآليات التى كان معمولا بها فى ستينيات وسبعينيات القرن الماضى وفى مقدمتها :-

* إعادة إنشاء إدارة متخصصة لرقابة النقد الأجنبى بكامل الصلاحيات اللازمة مع الاستعانة بالخبرات السودانية السابقة التى راكمت معرفة عملية فى هذا المجال ، وليس المقصود العودة الى الماضى لمجرد العودة ، وإنما الإستفادة من الأدوات التى اثبتت فاعليتها ، وتطويرها بما يتناسب مع الإقتصاد الحديث.

هل السودان هو الدولة الوحيدة التى تراقب حركة النقد الاجنبى ؟

بالطبع لا ….و الف لا ….!

فمعظم دول العالم تضع بدرجات متفاوتة ضوابط لتنظيم حركة العملات الأجنبية داخل اراضيها ، وتختلف درجة التشدد بحسب اوضاع كل دولة واحتياجاتها الاقتصادية واحتياطاتها من النقد الأجنبى ، و السودان فى ظل الظروف الاستثنائية التى يعيشها ، يحتاج سياسات اكثر حزما ، لا إلى ترك السوق الموازية تحدد مصير العملة الوطنية . ، ومن الاجراءات التى يمكن ان تكون محل دراسة جادة :

أولا : اولا تثبيت سعر تأشيرى للجنيه السودانى ملزم للجميع .( تثبيت سعر الصرف فرضا )

ثانيا : إشراء حصائل الصادرات فرض عين حماية للعملة الوطنية وإحتراما لسيادتها عبر التظام المصرفى لصالح بنك السودان دون أى تنازل مهما كلف الامر لمن اراد أن يعمل فى قطاع الصادرات ( حصائل الصادرات من النقد الاجنبى هى ثروة الدولة القومية / وهى ملك على الشيوع لكل الشعب

السودانى) ينبغى مراقبتها بحزم وصرامة لأنها مسألة أمن قومى .

ثالثا : الرجوع لاعلان العملات التى كان يعمل به فى السابق عند مداخل ومعابر البلاد المختلفة.

رابعا : الاحتفاظ بجميع حسابات الوحدات و المؤسسات الحكومية لدى بنك السودان ويمنع منعا باتا فتح حسابات الدولة بالبنوك الخاصة .

خامسا : منع الجامعات ومؤسسات التعليم العالى من استلام النقد الاجنبى ، وحهة الاختصاص فى التعامل بالنقد الاجنبى حصريا لدى البنوك بتفويض من بنك السودان … شراء العملات الاجنبية لصالح البنك المركزى .

هذا غيض من فيض يجب على بنك السودان أن يصحوا من هذه الغفوة والغيبوبة المفتعلة ويرتفع لمستوى المسئولية الملقاة على عاتقة وهو يحمل على رقبته مسئولية 50 مليون نسمة .

 

عبد المنعم على التوم

الجمعة 4 سبتمبر 2026

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى