الضفة الأخرى | محمد الحاج | من لا يقرأ… يسهُل عزله عقلياً وبرمجته معرفياً وإقناعه بلا دليل

صوت الشارع
مقالات وكتاب
الضفة الأخرى | محمد الحاج | من لا يقرأ… يسهُل عزله عقلياً وبرمجته معرفياً وإقناعه بلا دليل
تحت هذا العنوان المقتبس من أحد الكتب، يبدأ حديثنا عن القراءة وفضلها في بناء الإنسان وصناعة وعيه، حتى لا يصبح تابعاً يسير خلف الآخرين بلا تفكير أو تمحيص.
فالقراءة ليست رفاهية كما يظن البعض، وليست عادة تقتصر على فئة معينة من الناس، بل هي وسيلة لحماية العقل وتحصين الوعي. فعندما تقرأ، لا تكتفي بسماع ما يُقال لك، بل تبدأ بطرح الأسئلة: لماذا؟ كيف؟ هل؟ ومن؟ وهي الأسئلة التي تفتح أبواب المعرفة وتمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف.
ولعل أول ما نزل من الوحي على سيد الخلق ﷺ كان الأمر الإلهي: ﴿اقرأ﴾، في إشارة عظيمة إلى أن بناء الإنسان يبدأ بالعلم والمعرفة.
وعندما تغيب القراءة، يحدث أمر تدريجي وخفي؛ إذ تبدأ الأفكار بالتسلل إلى عقلك من الخارج دون مقاومة تُذكر، فتتشكل قناعاتك من مصادر لم تخترها بنفسك، وتميل إلى رأي، وتنفر من آخر، دون أن تعرف السبب الحقيقي. ومع مرور الوقت يصبح الانطباع أسرع من التفكير، والعاطفة أقوى من الدليل.
وهنا تكمن المشكلة؛ فقد يتحدث الإنسان بثقة عن أمور لم يبحث فيها، ويتبنى مواقف لم يصنعها بعقله، ثم يدافع عنها بشراسة، ويعتبر كل من يخالفه عدواً يجب الحذر منه.
ولو تأملنا واقعنا اليوم، لوجدنا أن موجات “الترند” أصبحت تقود كثيراً من الناس؛ فقضية تشتعل اليوم وتموت غداً، وبينهما ينفعل البعض ويصرخ ويتبنى مواقف متقلبة، ثم ينتقل إلى القضية التالية بالحماس نفسه والسطحية نفسها، دون قراءة أو بحث أو فهم.
إن القراءة ليست مجرد وسيلة لاكتساب المعلومات، بل هي تدريب يومي على التفكير النقدي، ومقاومة التضليل، وصناعة الرأي المستقل. فمن خلالها يصبح للإنسان فكره ورؤيته، بدلاً من أن يعيش أسيراً لأفكار الآخرين.
ومن المؤسف أن نجد في مجتمعاتنا من يتحدث في السياسة وكأنه خبير سياسي، وفي الرياضة وكأنه محلل محترف، وفي الاقتصاد وكأنه رجل أعمال، وفي الدين وكأنه من كبار أهل الفتوى. ولو كان هذا التنوع مبنياً على القراءة والمعرفة لكان مصدر قوة، لكنه في كثير من الأحيان يقوم على الانطباعات لا على العلم.
ولنجعل ما تمر به بلادنا اليوم من أزمات وآلام نقطة انطلاق نحو القراءة والاطلاع، حتى نعرف الحقائق، ونميز بين الصديق والعدو، ونكون معاول بناء لا معاول هدم.
وفي الختام:
القراءة ليست عادة فحسب، بل هي موقف من الجهل، ومن التبعية، ومن السطحية. إنها إعلان بأن العقل لا ينبغي أن يُبرمج أو يُقاد دون وعي.
اقرأ… أو ابقَ كما أنت؛ صوتاً عالياً، ورأياً فارغاً، وعقلاً يعمل لصالح الآخرين.



