مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | إذا أردتم بناء السودان… فابدؤوا بالمحليات لا بالوزارات

صوت الشارع

مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | إذا أردتم بناء السودان… فابدؤوا بالمحليات لا بالوزارات

كلما دخل السودان مرحلة جديدة، انشغل الجميع بتشكيل الحكومات، وتوزيع الحقائب الوزارية، وتغيير الوجوه في العاصمة، وكأن مستقبل البلاد يُصنع داخل المكاتب المركزية وحدها. لكن الحقيقة التي تجاهلناها لعقود هي أن الدولة لا تُقاس بعدد الوزراء، بل بقدرتها على إيصال الماء النظيف إلى قرية، وفتح مدرسة، وتشغيل مركز صحي، وصيانة طريق، وخلق فرصة عمل لشاب في أقصى الريف.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن الأزمة ليست فقط في نقص الموارد، وإنما في طريقة إدارة الدولة. فالمركز ظل يحتكر القرار والمال، بينما تُركت المحليات بلا صلاحيات حقيقية، وبلا ميزانيات كافية، وبلا أدوات تمكنها من أداء واجباتها. وهكذا تحولت كثير من المحليات إلى إدارات لتسيير الأعمال اليومية، بدل أن تكون محركات للتنمية.
الحرب لم تُدمّر البنية التحتية وحدها، بل كشفت هشاشة البناء الإداري للدولة. وعندما تعطلت مؤسسات المركز، ظهر بوضوح أن المحليات لم تكن تمتلك القدرة الكافية لإدارة شؤون مجتمعاتها بصورة مستقلة. وهذه ليست مسؤولية موظف هنا أو مسؤول هناك، بل نتيجة تراكمات طويلة تحتاج إلى إصلاح جذري.
إن إعادة الإعمار لن تتحقق بمجرد إعادة بناء الجسور والمقار الحكومية، بل بإعادة بناء فلسفة الحكم نفسها. فالسودان بحاجة إلى الانتقال من دولة تُدار من المركز إلى دولة تُبنى من القاعدة، حيث تمتلك كل محلية القدرة على التخطيط والتنفيذ والمساءلة.
إن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مسؤول اليوم ليس: كم وزارة نحتاج؟ بل: كم محلية قادرة على إدارة التنمية بنفسها؟
إصلاح يبدأ من المحليات
أول خطوة هي إعادة تعريف دور المحلية، بحيث تصبح مؤسسة تنموية لا جهة إدارية محدودة الصلاحيات. ويجب أن تُمنح سلطات واضحة في التخطيط، وإدارة الموارد، وتنفيذ المشروعات، مع رقابة مالية وإدارية صارمة.
ثانيًا، لا يمكن الحديث عن تنمية بمحليات تفتقر إلى الكفاءات. المطلوب برنامج وطني لتأهيل القيادات المحلية في الإدارة، والاقتصاد، والتخطيط، والتحول الرقمي، وإدارة الأزمات.
ثالثًا، يجب أن تمتلك كل محلية خطة تنموية لخمس سنوات، تنطلق من مواردها واحتياجاتها، لا من نماذج موحدة تُفرض عليها من المركز.
رابعًا، لا بد من ربط الجامعات ومراكز البحوث بالمحليات، بحيث تتحول الدراسات العلمية إلى حلول عملية لمشكلات الزراعة، والمياه، والتعليم، والصحة، والاستثمار.
خامسًا، يجب تمكين القطاع الخاص الوطني من الاستثمار في المحليات، مع تبسيط الإجراءات، وتوفير بيئة قانونية مستقرة، لأن التنمية لا تصنعها الدولة وحدها.
سادسًا، ينبغي إشراك المواطنين في تحديد أولويات الإنفاق المحلي عبر مجالس واستشارات مجتمعية، لأن التنمية التي يشارك الناس في رسمها تكون أكثر استدامة.
من الإدارة إلى الإنتاج
المحلية الناجحة ليست التي تجبي الرسوم أكثر، بل التي تنتج أكثر. ولذلك ينبغي أن تمتلك كل محلية مشروعًا اقتصاديًا رئيسيًا يعكس ميزتها النسبية، سواء في الزراعة أو الثروة الحيوانية أو التعدين أو الصناعات الصغيرة أو السياحة أو الخدمات اللوجستية.
وعندما تتحول المحليات إلى مراكز إنتاج، ستتوسع القاعدة الاقتصادية، وتزداد فرص العمل، وتقل الهجرة، ويتراجع الضغط على العاصمة، ويصبح النمو أكثر توازنًا بين مختلف مناطق السودان.
لحظة الاختبار
السودان اليوم أمام فرصة تاريخية. فإما أن يعيد إنتاج النموذج الإداري القديم بكل أزماته، أو أن يؤسس لدولة حديثة تبدأ من المواطن لا من المؤسسة، ومن المحلية لا من الوزارة، ومن الإنتاج لا من الإنفاق.
إن نجاح أي حكومة لن يُقاس بعدد القرارات التي تصدرها، بل بعدد المحليات التي استعادت مدارسها، ومستشفياتها، وأسواقها، وحقولها، ومشروعاتها، وثقة مواطنيها.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن مستقبل السودان لن يُكتب في الخرطوم وحدها، بل في كل محلية تمتلك إدارة كفؤة، ومجتمعًا مشاركًا، واقتصادًا منتجًا، ورؤية واضحة للمستقبل.
إذا أردنا أن نبني السودان بحق، فعلينا أن نغيّر نقطة البداية. فالنهضة لا تبدأ من أعلى الهرم، بل من قاعدته. ولا تبدأ من الوزارة، بل من المحلية. وعندما تصبح كل محلية مشروعًا للتنمية، يصبح السودان كله مشروعًا للنهوض، لا مجرد حلم مؤجل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى