مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | إنشاء ما يُسمى بحكومة تأسيس في إقليم دارفور.. أسئلة الشرعية ووحدة الدولة

صوت الشارع

مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | إنشاء ما يُسمى بحكومة تأسيس في إقليم دارفور.. أسئلة الشرعية ووحدة الدولة

في خضم الأزمة السودانية المعقدة، تبرز بين الحين والآخر مبادرات ومشروعات سياسية تسعى إلى فرض واقع جديد على الأرض، كان آخرها الحديث عن إنشاء ما يُسمى بـ”حكومة تأسيس” في إقليم دارفور. ويثير هذا الطرح جملة من الأسئلة الجوهرية المتعلقة بمفهوم الشرعية السياسية، ووحدة الدولة، ومستقبل المؤسسات الوطنية في السودان.

إن أي محاولة لإنشاء هياكل حكم موازية في ظل وجود مؤسسات حكومية قائمة، مهما كانت التحديات التي تواجهها تلك المؤسسات، تفتح الباب أمام حالة من الازدواجية السياسية والإدارية التي قد تؤدي إلى مزيد من الانقسام والتشظي. فالدول لا تُدار بمنطق تعدد الحكومات داخل الحدود ذاتها، ولا يمكن بناء الاستقرار عبر خلق مراكز سلطة متنافسة تتنازع الاختصاصات والموارد والتمثيل السياسي.

وتزداد خطورة هذا الطرح عندما يمتد إلى ملفات سيادية وحساسة، مثل التعليم. فالمنهج التعليمي ليس مجرد كتب مدرسية، بل هو مشروع وطني لصناعة الهوية وترسيخ قيم المواطنة والانتماء المشترك. وعندما يصبح التعليم ساحة للصراع السياسي، فإن الأجيال القادمة هي التي تدفع الثمن الأكبر.

إن وجود منهج حكومي معترف به على المستوى الوطني يمثل أحد أهم أدوات الحفاظ على وحدة الدولة الفكرية والثقافية. أما تعدد المناهج وفق الانتماءات السياسية أو الجغرافية، فإنه ينذر بظهور أجيال تحمل رؤى متباينة حول التاريخ والهوية ومستقبل الوطن، وهو ما يشكل تهديداً طويل الأمد للنسيج الاجتماعي.

كما أن تجربة الحكومات الموازية في العديد من الدول التي شهدت نزاعات داخلية أثبتت أن تكريس سلطات متنافسة لا يقود إلى الاستقرار، بل يطيل أمد الأزمات ويعمق الانقسامات ويجعل فرص التسوية السياسية أكثر تعقيداً.

السودان اليوم في حاجة إلى مؤسسات جامعة لا مؤسسات متوازية، وإلى مشروع وطني يعيد بناء الثقة بين مكوناته المختلفة، لا إلى مبادرات قد تُفهم على أنها خطوات نحو تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي. فالمعركة الحقيقية ليست حول من يرفع لافتة الحكومة، بل حول من يستطيع أن يؤسس لدولة القانون والمؤسسات والعدالة والمواطنة المتساوية.

إن الحفاظ على وحدة السودان يتطلب تعزيز المؤسسات الوطنية وإصلاحها وتطويرها، لا استبدالها بمشروعات متنافسة. فالدول تُبنى بالتوافق الوطني الشامل، لا بفرض وقائع سياسية جديدة تزيد المشهد تعقيداً وتضع مستقبل البلاد أمام مزيد من المجهول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى