قلم حر | نسيبة خالد | بين الغزو وصناعة التاريخ: لماذا يجب إعادة قراءة تاريخ السودان وإفريقيا؟

صوت الشارع
مقالات وكتاب
قلم حر | نسيبة خالد | بين الغزو وصناعة التاريخ: لماذا يجب إعادة قراءة تاريخ السودان وإفريقيا؟
عندما يُستعرض تاريخ العالم القديم، غالباً ما تتجه الأنظار إلى مصر والعراق وسوريا باعتبارها مراكز الحضارات والإمبراطوريات الكبرى. وهذا صحيح إلى حد كبير، فهذه المناطق كانت تقع في قلب طرق التجارة الدولية، وتقاطعت فوق أراضيها مصالح القوى الكبرى عبر آلاف السنين، ما جعلها مسرحاً متواصلاً للغزوات والاحتلالات وتعاقب الإمبراطوريات.
لكن ما يغيب عن كثير من السرديات التاريخية التقليدية هو أن إفريقيا لم تكن مجرد هامش للأحداث، ولم تكن شعوبها مجرد متلقية لتأثيرات الآخرين. بل إن القارة، وعلى رأسها السودان القديم، كانت جزءاً فاعلاً من صناعة التاريخ الإنساني.
لقد تعرضت مصر والعراق وسوريا لسلسلة طويلة من الغزوات بسبب أهميتها الجغرافية والاستراتيجية. فالإمبراطوريات كانت تتصارع للسيطرة على هذه المناطق لأنها تمثل مفاتيح التجارة والنفوذ والثروة. ولذلك فإن كثرة الاحتلالات التي مرت عليها لا تعني بالضرورة تفوق الغزاة، بقدر ما تعكس الأهمية الاستثنائية لتلك الأراضي في موازين القوة العالمية آنذاك.
أما في إفريقيا جنوب الصحراء، فقد كان المشهد مختلفاً. فالكثير من الممالك والدول الإفريقية تطورت في بيئات سياسية وحضارية مستقلة نسبياً عن الصراعات التي اجتاحت الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ولهذا السبب لم تشهد بعض المناطق الإفريقية السلسلة ذاتها من الاحتلالات المتعاقبة التي عرفتها مناطق وادي النيل والهلال الخصيب.
والسودان يقدم نموذجاً استثنائياً في هذا السياق. فالتاريخ السوداني لا يُختزل في كونه منطقة تأثرت بحضارات الجوار، بل هو تاريخ ممالك صنعت نفوذها الخاص وتركت بصمتها على المنطقة بأكملها. وتبقى مملكة كوش واحدة من أبرز الشواهد على ذلك.
ففي وقت اعتاد فيه البعض النظر إلى إفريقيا باعتبارها ضحية للغزوات والتدخلات الخارجية، تذكرنا مملكة كوش بحقيقة مختلفة تماماً: أن إفريقيا أنجبت أيضاً دولاً قوية وقادة مؤثرين وجيوشاً قادرة على تغيير موازين القوى. وقد بلغ نفوذ الكوشيين ذروته عندما أسسوا الأسرة الخامسة والعشرين وحكموا مصر، في واحدة من أهم المحطات السياسية في تاريخ وادي النيل.
هذه الحقيقة التاريخية لا تهدف إلى تمجيد الماضي بقدر ما تهدف إلى تصحيح صورة مشوهة ظلت تتكرر لعقود طويلة. فالسردية التي تقدم إفريقيا باعتبارها مجرد أرض للغزوات والهيمنة الخارجية تتجاهل عمداً أو جهلاً قروناً من الإنجازات السياسية والعسكرية والثقافية التي حققتها شعوب القارة.
إن إعادة قراءة التاريخ ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة لفهم الحاضر. فالأمم التي تفقد صلتها بتاريخها تصبح أكثر عرضة لتبني صور نمطية صنعها الآخرون عنها. والسودان، بما يحمله من إرث حضاري عريق، يستحق أن يُقرأ من زاوية الإنجاز والإسهام الحضاري، لا من زاوية التهميش والتبعية فقط.
لقد آن الأوان للانتقال من عقلية الدفاع عن التاريخ إلى عقلية استكشافه وتقديمه للأجيال الجديدة كما هو: تاريخ مليء بالتحديات، نعم، لكنه أيضاً تاريخ زاخر بالدول القوية والحضارات المؤثرة والإنجازات التي ساهمت في تشكيل مسار الإنسانية.



