قلم حر | نسيبة خالد | الجلابية أكبر من سِعة إدارة أربعة وزارات

صوت الشارع
مقالات وكتاب
قلم حر | نسيبة خالد | الجلابية أكبر من سِعة إدارة أربعة وزارات
في بلد يواجه تحديات وجودية في الهوية والاقتصاد والصورة الذهنية أمام العالم، يبدو أن بعض صناع القرار ما زالوا يعتقدون أن جمع الأزمات في مكتب واحد هو نوع من الحلول، بينما تثبت الوقائع أن تكديس الملفات لا يصنع إدارة ناجحة، بل يصنع فشلاً أكبر حجماً وأكثر تكلفة.
وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة ليست وزارة واحدة، بل أربع وزارات كاملة الدسم جرى حشرها داخل عباءة إدارية واحدة، وكأن الثقافة مجرد نشاط جانبي، والإعلام مجرد نشرات أخبار، والآثار مجرد أحجار قديمة، والسياحة مجرد صور دعائية على منصات التواصل الاجتماعي.
الحقيقة المؤلمة أن كل قطاع من هذه القطاعات يحتاج إلى وزير متفرغ ومؤسسة متخصصة وميزانية مستقلة وخطة استراتيجية واضحة. لكن الواقع يقول إن الجميع أصبحوا يتنافسون على الوقت والموارد والاهتمام داخل مؤسسة واحدة تعاني أصلاً من ضعف الإمكانيات وتضخم المسؤوليات.
كيف يمكن لوزارة واحدة أن تحارب خطاب الكراهية، وتحمي التراث القومي، وتسوق للسياحة، وتدير الإعلام الرسمي، وتواكب الثورة الرقمية، وتعيد بناء الوعي الوطني في آن واحد؟
إن المشكلة ليست في الأشخاص بقدر ما هي في العقلية التي تعتقد أن الحل الإداري يكمن في دمج الملفات لا في تطويرها. فحين تتكدس الاختصاصات يصبح الإنجاز شكلياً، وتتحول الأولويات إلى معارك داخلية، بينما تتراجع الملفات الأكثر أهمية إلى الصفوف الخلفية.
الثقافة اليوم ليست ترفاً يمكن تأجيله، بل هي معركة هوية في مواجهة الانقسام والتشظي. والإعلام ليس مكبر صوت للحكومة، بل مؤسسة يفترض أن تصنع المعرفة وتحمي الحقائق. والآثار ليست رفاهية تاريخية، بل ثروة وطنية واقتصادية وحضارية. أما السياحة فهي صناعة عالمية تدر مليارات الدولارات على الدول التي تعرف قيمة ما تمتلكه.
لكن ماذا يحدث عندما تصبح هذه الملفات جميعها رهينة لوزارة واحدة؟ النتيجة غالباً هي أن الجميع يخسر. الثقافة تتراجع، والإعلام يترهل، والآثار تُهمَل، والسياحة تبقى مجرد شعار يتكرر في الخطب الرسمية.
في السودان، حيث تمتلك البلاد إرثاً حضارياً يمتد لآلاف السنين، وثروة ثقافية هائلة، ومواقع أثرية قادرة على جذب العالم، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: لماذا ما زالت هذه القطاعات تُدار بعقلية البقاء الإداري لا بعقلية الاستثمار الوطني؟
إن الدول التي تحترم تاريخها لا تضع الآثار في آخر قائمة الأولويات. والدول التي تؤمن بقوتها الناعمة لا تتعامل مع الثقافة كملف هامشي. والدول التي تبحث عن المستقبل لا تترك الإعلام أسيراً للبيروقراطية. أما الدول التي تريد صناعة اقتصاد حقيقي فإنها تجعل السياحة قطاعاً منتجاً لا إدارة ملحقة.
الجلابية أصبحت أوسع من أن تُرتق، وأثقل من أن يحملها شخص أو مؤسسة واحدة. وما لم تتم مراجعة هذا النموذج الإداري بجرأة، فإن النتيجة لن تكون إدارة أربعة قطاعات، بل إضاعة أربعة قطاعات دفعة واحدة.


