قلم حر | نسيبة خالد | أبواق الميديا التي تدمر الوعي الجمعي باسم الوطنية

صوت الشارع
مقالات وكتاب
قلم حر | نسيبة خالد | أبواق الميديا التي تدمر الوعي الجمعي باسم الوطنية
في أوقات الأزمات الوطنية الكبرى، يصبح الإعلام سلاحاً ذا حدين؛ إما أن يكون جسراً للحقيقة والوعي والمسؤولية، أو أن يتحول إلى أداة للهدم والتضليل وتفكيك النسيج الاجتماعي. والمأساة أن بعض المنصات والشخصيات الإعلامية اختارت الطريق الثاني، رافعةً شعارات الوطنية بينما تمارس أفعالاً تقود إلى نتائج معاكسة تماماً.
لقد ظهرت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة يمكن وصفها بـ”الوطنية الصوتية”، حيث يرتفع منسوب الشعارات كلما انخفض مستوى الوعي والمعرفة. فهناك من يتحدث باسم الوطن صباحاً ومساءً، لكنه لا يقدم للجمهور سوى خطاب يقوم على التخوين والتحريض والكراهية وإقصاء المخالفين.
إن أخطر ما تفعله هذه الأبواق الإعلامية ليس نشر المعلومات الخاطئة فحسب، بل إعادة تشكيل وعي الجمهور على أسس مشوهة. فهي تسعى إلى تقسيم المجتمع إلى معسكرات متصارعة، وتصوير كل اختلاف في الرأي على أنه خيانة، وكل نقد على أنه تآمر، وكل محاولة للتفكير المستقل على أنها خروج عن الصف الوطني.
وفي ظل هذا المناخ، تتحول الوطنية من قيمة جامعة إلى أداة للابتزاز المعنوي. فمن يطرح سؤالاً يصبح متهماً، ومن يطالب بالمراجعة يصبح مشبوهاً، ومن يدعو إلى الحوار يصبح هدفاً لحملات التشويه. وهكذا يُقتل العقل النقدي تدريجياً لصالح عقلية القطيع التي لا ترى إلا ما يُراد لها أن تراه.
المفارقة أن هذه الأبواق تتحدث كثيراً عن حماية الوطن، بينما تساهم عملياً في تدمير أهم عناصر قوته: الوعي الجمعي. فالأمم لا تنهار فقط بالحروب والأزمات الاقتصادية، بل تنهار أيضاً عندما تفقد قدرتها على التفكير الموضوعي، وعندما يصبح الانفعال بديلاً للعقل، والشعار بديلاً للحقيقة.
لقد أدت بعض المنصات إلى تحويل النقاش العام إلى ساحة للصراخ والاتهامات المتبادلة، بدلاً من أن يكون فضاءً للحوار الرشيد. وأصبح حجم المتابعة وعدد المشاهدات أهم من دقة المعلومة، فيما تحولت القضايا الوطنية المصيرية إلى مادة للمزايدات والاستقطاب.
ولا يقتصر الخطر على المحتوى نفسه، بل يمتد إلى الأثر التراكمي الذي يتركه على المجتمع. فعندما يتعرض الناس يومياً لسيل من الخطابات التحريضية والمعلومات غير الموثقة، تتآكل الثقة بين مكونات المجتمع، وتضعف القدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وتصبح الشائعات أكثر تأثيراً من الوقائع.
إن الوطنية الحقيقية لا تحتاج إلى مكبرات صوت، بل إلى ضمير حي وعقل مسؤول. الوطنية ليست صراخاً في المنصات، ولا سباقاً في توزيع الاتهامات، ولا احتكاراً للحقيقة. إنها التزام أخلاقي بحماية المجتمع من الانقسام، والدفاع عن الحقائق، واحترام عقول الناس.
واليوم، يحتاج السودان أكثر من أي وقت مضى إلى إعلام وطني مسؤول، لا إلى أبواق تعيش على الانفعال والاستقطاب. يحتاج إلى خطاب يعيد بناء الثقة، لا خطاباً يوسع الشروخ. فالمعركة الحقيقية ليست على الشاشات والمنصات، بل في عقول الناس ووعيهم.
وحين تتحول الميديا إلى مصنع للكراهية والتضليل تحت لافتة الوطنية، فإن الخطر لا يكون على خصومها فقط، بل على الوطن نفسه. لأن الوعي الجمعي عندما يُستهدف، تصبح الحقيقة أول الضحايا، ويصبح المستقبل كله رهينة للضجيج.


