قلم حر | نسيبة خالد | المنصات السودانية على X (تويتر سابقاً)

صوت الشارع
مقالات وكتاب
قلم حر | نسيبة خالد | المنصات السودانية على X (تويتر سابقاً)
بين القاتل والمقتول… وبين الظاهر والباطن
لم تعد منصة “إكس” مجرد وسيلة للتواصل وتبادل المعلومات، بل تحولت في الحالة السودانية إلى ساحة معركة مفتوحة تتداخل فيها السياسة بالحرب، والحقيقة بالشائعة، والوطنية بالمصالح، حتى أصبح من الصعب أحياناً التمييز بين القاتل والمقتول، وبين الظاهر والباطن.
ففي خضم الأزمة السودانية، برزت مئات الحسابات التي تقدم نفسها باعتبارها حارسة للحقيقة والمدافعة عن الوطن. غير أن المتابع المتأمل يكتشف سريعاً أن جزءاً من هذا المشهد لا يخضع لقواعد المهنية أو المسؤولية، بل تحركه أجندات متناقضة ومصالح خفية وصراعات تتجاوز حدود السودان نفسه.
لقد أصبحت المنصة مسرحاً يومياً لإعادة إنتاج الانقسام الوطني. فكل طرف يمتلك روايته الخاصة، وصوره الخاصة، وخبراءه الخاصين، وجيشه الإلكتروني الخاص. وفي كثير من الأحيان لا يكون الهدف هو البحث عن الحقيقة، بل الانتصار للرواية مهما كانت الوقائع.
المؤلم أن بعض الحسابات التي تتحدث باسم الوطنية تمارس أخطر أنواع التضليل. فهي تنتقي المعلومات التي تخدم موقفها، وتتجاهل ما يناقضه، وتدفع المتابعين نحو حالة من الاستقطاب الحاد تجعل الحوار مستحيلاً والتفاهم ضرباً من الخيال.
وفي هذا المناخ المشحون، يصبح الضحية الحقيقي هو المواطن البسيط الذي يبحث عن معلومة موثوقة وسط طوفان من الأخبار المتضاربة. فكل ساعة تحمل رواية جديدة، وكل يوم يشهد اتهامات متبادلة، وكل حدث يتحول إلى مادة للتجييش والتحريض بدلاً من أن يكون موضوعاً للفهم والتحليل.
لقد ساهمت بعض المنصات في خلق واقع افتراضي موازٍ للواقع الحقيقي. عالم من الشعارات والصور المقتطعة والمقاطع المجتزأة والتفسيرات الجاهزة. عالم يبدو فيه الجميع منتصراً، بينما الحقيقة الوحيدة الثابتة هي أن السودان يخسر المزيد من الوقت والثقة والوعي.
والأخطر أن بعض الحسابات لا تكتفي بنقل الأحداث، بل تعمل على تشكيل الانفعالات الجماعية. فهي تعرف كيف تثير الغضب، وكيف تستدعي المخاوف، وكيف تحول الخلاف السياسي إلى كراهية اجتماعية، حتى أصبح كثير من السودانيين أسرى لخطابات لا تنتج وعياً بقدر ما تنتج عداءً متبادلاً.
وبين القاتل والمقتول تضيع الحقيقة أحياناً. وبين الشعارات الرنانة والواقع المؤلم تتسع المسافة بين ما يُقال وما يحدث فعلاً على الأرض. فليس كل من رفع راية الوطنية وطنياً، وليس كل من تحدث باسم الشعب معبراً عنه، وليس كل من امتلك منصة امتلك الحقيقة.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الجيوش الإلكترونية، بل إلى أصوات عاقلة قادرة على إعادة الاعتبار للحقيقة. يحتاج إلى إعلام رقمي يحترم عقل المتلقي بدلاً من استغلال عواطفه، وإلى منصات تبني الوعي بدلاً من المتاجرة به.
لقد كشفت الأزمة السودانية أن أخطر الحروب ليست دائماً تلك التي تُخاض بالسلاح، بل تلك التي تُخاض داخل العقول. فالرصاصة قد تقتل إنساناً، أما التضليل المنظم فيمكن أن يقتل وعياً كاملاً ويزرع الانقسام لسنوات طويلة.
ولهذا تبقى المعركة الحقيقية على منصة “إكس” ليست معركة تغريدات ووسوم، بل معركة بين الحقيقة والدعاية، بين الوعي والتضليل، وبين وطن يبحث عن الخلاص ومنصات لا تزال عاجزة عن التمييز بين خدمة الوطن وخدمة الأجندات.

