قلم حر | نسيبة خالد | دماء السودانيين ليست مباحة | كلمة في وجه الصمت بعد المأساة

صوت الشارع
مقالات وكتاب
قلم حر | نسيبة خالد | دماء السودانيين ليست مباحة | كلمة في وجه الصمت بعد المأساة
حين يسقط سودانيون ضحايا وهم يبحثون عن لقمة العيش في صحارى التعدين ومناطق الحدود، فإن المأساة لا تتوقف عند عدد القتلى أو حجم الخسائر، بل تمتد إلى سؤال أكبر وأعمق: من يحمي الإنسان السوداني؟ ومن ينتصر لكرامته حين تُنتهك حقوقه ويُراق دمه؟
لقد عاش الشعب السوداني خلال السنوات الأخيرة فصولاً قاسية من الحرب والنزوح والفقر والانهيار الاقتصادي، لكن أكثر ما يؤلم أن يصبح موت السوداني خبراً عابراً في نشرات الأخبار، أو رقماً جديداً يُضاف إلى قوائم الضحايا دون أن يهتز له ضمير العالم.
إن أي اعتداء على المدنيين أو العاملين في التعدين أو المواطنين الأبرياء، أياً كان مرتكبه، يمثل جريمة أخلاقية وإنسانية تستوجب تحقيقاً شفافاً ومحاسبة عادلة وكشفاً كاملاً للحقيقة. فالدم السوداني ليس أقل قيمة من أي دم في هذا العالم، وحق الحياة لا يسقط بسبب الفقر أو الجنسية أو ظروف الحرب.
لقد اعتاد السودانيون أن يكونوا شعباً مسالماً يحترم جيرانه ويقيم علاقات تاريخية مع شعوب المنطقة، لكن احترام الجوار لا يعني الصمت على أي انتهاك، والعلاقات الأخوية لا تعني التغاضي عن حقوق الضحايا أو تجاهل مطالب العدالة.
إن ما تحتاجه أسر الضحايا اليوم ليس بيانات المجاملة ولا لغة التبرير، بل معرفة الحقيقة كاملة. تحتاج إلى من يجيب عن الأسئلة الصعبة: ماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ وكيف يمكن ضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي؟
وإذا كانت الأوطان تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها، فإن حماية السودانيين في مناطق التعدين والحدود يجب أن تصبح أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل. فالمواطن الذي يخرج بحثاً عن الرزق لا ينبغي أن يعود جثماناً إلى أسرته.
إن الكرامة الوطنية لا تُبنى بالشعارات، بل بالدفاع عن حق الإنسان في الحياة والأمن والعدالة. ومن حق الشعب السوداني أن يطالب بتحقيق مستقل وشفاف في كل حادثة يسقط فيها أبناؤه ضحايا، ومن حقه أن يسمع الحقيقة كاملة بعيداً عن المزايدات السياسية والدعاية الإعلامية.
تبقى الرسالة الأهم: دماء السودانيين ليست مباحة، وأرواحهم ليست رخيصة، والعدالة ليست منحة من أحد، بل حق أصيل لا يسقط بالتقادم ولا بالصمت.



