مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | الشعب السوداني والبحث عن الأمن والأمان في دول الجوار التي أهانته بلا رحمة

صوت الشارع

مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | الشعب السوداني والبحث عن الأمن والأمان في دول الجوار التي أهانته بلا رحمة

منذ اندلاع الحرب في السودان، لم يكن أمام ملايين السودانيين سوى خيار النزوح واللجوء بحثاً عن ملاذ آمن يحفظ ما تبقى من حياتهم وكرامتهم. حملوا معهم ذكريات الوطن المثخن بالجراح، وغادروا مدناً وقُرى تحولت إلى ساحات قتال، معتقدين أن دول الجوار ستفتح لهم أبواب الإنسانية قبل الحدود، وأن رابطة الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك ستكون سنداً لهم في محنتهم الكبرى.
لكن الواقع كان أكثر قسوة مما توقع الكثيرون.
ففي الوقت الذي كان السودانيون يبحثون عن الأمن والأمان، وجد عدد كبير منهم أنفسهم أمام أشكال مختلفة من التضييق والإهانة والاستغلال. بعضهم واجه تعقيدات إدارية وإجراءات مرهقة للحصول على الإقامة أو تجديدها، وآخرون تعرضوا لحملات كراهية أو تنميط سلبي في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، فيما وقع كثيرون ضحايا للابتزاز الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والتعليم والعلاج.
المفارقة المؤلمة أن الشعب السوداني ظل لعقود طويلة يُعرف بانفتاحه واستقباله للاجئين من دول الجوار دون تمييز أو تضييق. فقد احتضنت السودان في فترات مختلفة مواطنين من دول عديدة فروا من الحروب والأزمات، وعاشوا بين السودانيين بكرامة واحترام. لذلك شعر كثير من السودانيين بمرارة مضاعفة عندما وجدوا أنفسهم في موقع اللاجئ الذي يُعامل أحياناً باعتباره عبئاً لا إنساناً فقد وطنه ومصدر رزقه وأمنه.
غير أن قراءة المشهد بموضوعية تقتضي عدم التعميم. فدول الجوار ليست كتلة واحدة، كما أن مواقف الشعوب تختلف عن سياسات الحكومات وإجراءات بعض المؤسسات. فقد شهدت السنوات الأخيرة أيضاً نماذج مشرقة من التضامن الإنساني، سواء من أفراد أو منظمات أو مجتمعات محلية فتحت أبوابها للسودانيين وقدمت لهم الدعم والمساندة في أصعب الظروف.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا أصبح السوداني مضطراً للاختيار بين خطر الحرب في وطنه وصعوبة الحياة في المنافي؟
الإجابة تكمن في عمق الأزمة السودانية نفسها. فالحرب لم تدمر البنية التحتية فقط، بل دفعت ملايين المواطنين إلى فقدان أبسط مقومات الاستقرار. وعندما تغيب الدولة القادرة على حماية مواطنيها وتوفير الأمن والخدمات، يصبح المواطن عرضة للتقلبات السياسية والاقتصادية في البلدان التي يلجأ إليها.
إن معاناة السودانيين في دول الجوار ليست مجرد أزمة لجوء عابرة، بل هي انعكاس مباشر لفشل النخب السياسية والعسكرية في إدارة الدولة والحفاظ على وحدة المجتمع واستقراره. فالمواطن الذي يقف اليوم في طوابير الإقامات والمساعدات الإنسانية لم يكن يبحث عن الرفاهية، بل عن حق طبيعي في الحياة والأمان.
لقد كشفت الحرب حقيقة مؤلمة مفادها أن قيمة المواطن في الخارج ترتبط بقوة دولته في الداخل. فالدول التي تمتلك مؤسسات قوية تحمي مواطنيها حتى وهم خارج حدودها، أما الدول المنهكة بالصراعات فتترك أبناءها يواجهون مصيرهم وحدهم.
ويبقى الأمل قائماً في أن تتحول هذه التجربة القاسية إلى درس وطني عميق، يعيد ترتيب الأولويات ويضع بناء الدولة واستعادة الأمن والاستقرار فوق كل الحسابات السياسية الضيقة. فالسوداني الذي اضطر إلى طرق أبواب الآخرين بحثاً عن الأمان لا يحلم اليوم بأكثر من وطن آمن يحفظ كرامته ويغنيه عن مرارة اللجوء وقسوة الغربة.
إن القضية لم تعد مجرد نزوح أو لجوء، بل أصبحت معركة من أجل الكرامة الإنسانية. ومع كل يوم يطول فيه أمد الحرب، يزداد عدد السودانيين الذين يكتشفون أن الوطن، رغم أوجاعه، يظل أكثر رحمة من المنافي التي لا ترى فيهم سوى أرقام في سجلات اللجوء أو عبئاً مؤقتاً على أراضيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى