قلم حر | نسيبه خالد | اللاجئون والمواطنين السودانيون في مصر وليبيا.. حين تغيب الدولة ويُترك المواطن لمصيره

صوت الشارع
مقالات وكتاب
قلم حر | نسيبه خالد | اللاجئون والمواطنين السودانيون في مصر وليبيا.. حين تغيب الدولة ويُترك المواطن لمصيره
من بين كل المآسي التي أنتجتها الحرب السودانية، تبقى مأساة اللاجئين والمواطنين السودانيين في دول الجوار واحدة من أكثر الملفات التي تكشف حجم العجز الرسمي والخلل في ترتيب الأولويات داخل مؤسسات الحكم المدنية. فبينما تتسابق القوى السياسية في عقد الاجتماعات وإصدار البيانات وخوض المعارك الإعلامية، يقف مئات الآلاف من السودانيين في مصر وليبيا أمام واقع قاسٍ لا يجدون فيه دولة تسأل عنهم أو حكومة تدافع عن حقوقهم.
الحقيقة المؤلمة أن ملف اللاجئين السودانيين أصبح شاهداً حياً على ضعف الأداء الحكومي المدني، بل وعلى غياب الإحساس الكافي بالمسؤولية تجاه مواطنين اضطروا إلى مغادرة وطنهم هرباً من الموت. فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها داخل حدودها، لا ينبغي أن تتخلى عنهم أيضاً خارجها.
في مصر، تتزايد معاناة الأسر السودانية يوماً بعد يوم. تكاليف معيشة مرتفعة، صعوبات في الإقامة والتعليم والعلاج والعمل، وأوضاع اقتصادية تضغط على الجميع. ومع ذلك، لم يظهر حتى الآن جهد رسمي سوداني بحجم الأزمة. لا خطط واضحة، ولا آليات دعم فعالة، ولا حضور دبلوماسي قادر على تحويل معاناة الناس إلى قضية وطنية تستحق الاهتمام.
أما في ليبيا، فالصورة أكثر قسوة. آلاف السودانيين يعيشون في بيئة معقدة أمنياً واقتصادياً، وسط ظروف محفوفة بالمخاطر، بينما يكاد صوتهم لا يُسمع في الخرطوم ولا يجد طريقه إلى مكاتب المسؤولين. وكأن هؤلاء المواطنين أصبحوا خارج دائرة الاهتمام الرسمي بمجرد عبورهم الحدود.
والمؤسف أن بعض المسؤولين يتحدثون باستمرار عن الشرعية والانتقال المدني وبناء الدولة، بينما تغيب أبسط وظائف الدولة عن حياة المواطنين. فما قيمة الخطابات السياسية إذا كان المواطن السوداني في الخارج يشعر بأنه تُرك وحيداً في مواجهة مصيره؟ وما معنى الحديث عن الحكم الرشيد إذا كانت قضايا الناس الأكثر إلحاحاً تُدار بالصمت والتجاهل؟
المسكوت عنه في هذا الملف أن كثيراً من السودانيين فقدوا الثقة في قدرة مؤسساتهم الرسمية على تمثيلهم أو الدفاع عنهم. وهذه ليست أزمة خدمات فقط، بل أزمة ثقة بين المواطن والدولة. فحين يشعر اللاجئ أن المنظمات الدولية أقرب إليه من حكومته، وأن المبادرات الشعبية أكثر حضوراً من المؤسسات الرسمية، فذلك مؤشر خطير على حجم الفجوة القائمة.
لا أحد يطالب الحكومة المدنية بصنع المعجزات في ظل ظروف الحرب، لكن من حق المواطنين أن يسألوا: أين الخطط؟ أين المتابعة؟ أين الدبلوماسية النشطة؟ أين التقارير الدورية عن أوضاع السودانيين في الخارج؟ وأين المسؤولية الأخلاقية والسياسية تجاه شعب يعيش واحدة من أكبر موجات النزوح واللجوء في تاريخ السودان الحديث؟
إن أخطر ما في الأمر ليس ضعف الإمكانيات، بل اعتياد بعض المسؤولين على تبرير التقصير بدلاً من معالجته. فالأزمات لا تُدار بالبيانات الإنشائية ولا بالشعارات السياسية، وإنما بالعمل الميداني والرؤية الواضحة والشعور الحقيقي بمعاناة الناس.
اليوم، لا يحتاج اللاجئون والمواطنون السودانيون إلى خطابات التعاطف بقدر ما يحتاجون إلى دولة حاضرة. دولة تسمع وتتابع وتدافع وتضغط وتنسق وتتحمل مسؤولياتها. أما استمرار الصمت الرسمي، فهو ليس مجرد إخفاق إداري، بل تخلٍّ عن واجب وطني وأخلاقي لا يمكن تبريره.
فالتاريخ لا يسجل فقط من خاضوا المعارك السياسية، بل يسجل أيضاً من وقفوا إلى جانب المواطنين عندما ضاقت بهم السبل. وفي ملف اللاجئين السودانيين في مصر وليبيا، ما زالت هناك أسئلة كثيرة تبحث عن إجابات، وما زال الصمت الرسمي أكبر من أن يتم تجاهله.



